الذاتي والموضوعي .. و قضية الأمة

 

 محمود فكرة والي

 

 ان التناقض الاساس الذي تعيشه الأمة العربية هو ذلك التناقض بين واقع التجزئة المفروض عليها من قبل قوى الهيمنة والتسلط الاستعماري وبين امكانات التكامل والاندماج والتوحد الكامنة في نسيجها وتكوينها .

 

 جاء في الميثاق الوطني  للجمهورية العربية المتحدة .. " ان الأمة العربية لم تعد في حاجة الى ان تثبت حقيقة الوحدة بين شعوبها . لقد تجاوزت الوحدة هذه المرحلة واصبحت حقيقة الوجود العربي ذاته . يكفي أن الأمة العربية تملك وحدة اللغة التي تصنع وحدة الفكر والعقل . ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة التاريخ التي تصنع وحدة الضمير والوجدان . ويكفي أن الأمة العربية تملك وحدة الأمل التي تصنع وحدة المستقبل والمصير .."

 

 وإذا كان البعض يرجع وجود واستمرار هذا الوضع غير الطبيعي الى إرادة خارجية .. فإننا نضيف أنه ما كان لهذه الارادة الخارجية من تأثير لولا وجود من ترتبط مصالحهم في الداخل بهذه الارادة ارتباطا مصيريا ،  لأن مصالحهم ومواقعهم ومبرر وجودهم قائم على الحفاظ على الاقليمية والدفاع عنها ...

 

 وبذلك تتحدد قوى الصراع الاجتماعي في الواقع العربي .. قوى تقدمية تستهدف وحدة الأمة وتكامل امكاناتها المادية والبشرية .. وتوظيف هذه الامكانات للارتقاء بها من واقع التخلف الى واقع التقدم .. ومن واقع الضعف الى واقع القوة ..  وقوى رجعية كان هدفها ومازال الحفاظ على واقع ترتبط فيه مصالحها مع مصالح أعداء الأمة ..

 

 وقد اشار الميثاق إلى ان هذه القوى لن تستسلم بالرضا وإنما تفرض على قوى التقدم اسلوب العنف بما تمارسه من أساليب القهر والاخضاع لقوى التحرر والتقدم  والوحدة ..

 

" فإن عوامل القهر والاستغلال التي تحكمت فيها طويلاً ونهبت ثرواتها لن تستسلم بالرضا ، وإنما لابد على القوى الوطنية أن تصرعها ، وأن تحقق عليها انتصاراً حاسماً ونهائياً . " – الميثاق -

 

 لقد انجزت قوى الرجعية نقلتها النوعية في صراعها مع القوى الثورية التقدمية ،  وذلك بالانتقال من مرحلة الدفاع عن النفس .. الى مرحلة الهجوم .. فاستهدفت قوى التقدم والتحرر .. محاولة فرض حصارها المميت  على هذه القوى لتسلبها المقدرة على الفعل وتحول بينها وبين انجاز ثورتها . واستهدفت الانسان العربي بمصادرة لقمة عيشه باعتماد سياسات الافقار والتجويع  محاولة منها  تهميش الجماهير وابعادها عن الفعل الثوري  والهاءها بلقمة عيشها وقتل كل نزوع للثورة فيها ..

 

 والاسلوب المبتكر المتبع اليوم من قبل هذه القوى الرجعية ، صيحات تجميد الصراع الاجتماعي ومنعه من بلوغ أهدافه بحجة الخطر الخارجي المحدق .. ناسين أو متناسين  انهم جزء من هذا الخطر وبعض من مكوناته  ..

 

 ولقد استجابت قوى الثورة بدافع الحرص على الوحدة الداخلية لنداء تجميد الصراع الاجتماعي   تحت شعار " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ولا نداء أقدس من ندائها " فإذا بالقوى الرجعية تستغل فترة الهدنة المعلنة تلك لتنهي المعركة مع عدو الأمة اصلا .. وتنتقل بتحالفاتها مع اعداء الأمة الى العلن لتبدأ المرحلة الثانية من عملية انهاء وجود الأمة ، تفكيك المنطقة واعادة تركيبها بما يخدم مصالح اعداءها ..

 

فوجدنا الولايات المتحدة الامريكية هي صاحبة القرار الأول في أكثر من عاصمة عربية .. واسرائيل السرطان المزروع في جسد هذه الأمة له نفوذه في اكثر من اقليم عربي ..

 

 وكان الدرس الآخر الذي كان على قوى الثورة ان تتعلمه .. أن لامهادنة مع التحالف الرجعي – الاستعماري - الصهيوني . والخطر الذي يستهدف  قوى الثورة من الداخل هو بعض من الخطر الاساسي الذي يستهدفها من الخارج .. بحكم التحالف الاستراتيجي القائم بينهما .. لذلك وجدت قوى الثورة  أن نتائج فترة تجميد الصراع ما أثمرت الا مزيدا من الاستبداد في الداخل ، ومزيدا من التوغل في نسيج الأمة  من قوى الخارج لتكتمل سيمفونية العدوان على هذه الأمة . مؤكدة على الاقليمية بدل القومية ، والظلم الاجتماعي بدل العدل الاجتماعي ، والاستغلال بدل الاشتراكية ، والاصلاح بدل الثورة .

 

 وبذلك تتضح ابعاد المواجهة .. تحالف استعماري – صهيوني – رجعي يستهدف اخضاع هذه الأمة واستنزاف ثرواتها وخيراتها ومنعها من تحقيق عناصر قوتها التي لن تتوفر إلا في وحدتها  ..

 

 وقوى ثورية تواجه هذا التحالف ولكن مجزأة القدرات ، متنافرة القوى ، مشتتة الجهود ، تفتقد الى الحد الأدنى من التنسيق ،   مما يشير الى ضعف العامل الذاتي في مواجهة الوضع الثوري القائم حاليا في المنطقة  ، وان عملية استغلال هذا الوضع يتطلب أول ما يتطلب وحدة هذه القوى لتكون أقدر على المواجهة وعلى التصدي وعلى الصمود أمام مخططات التحالف الامبريالي – الصهيوني -  الرجعي .

 

 ومن هنا فإن قوى الثورة العربية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى  بأن تلبي نداء القائد الخالد جمال عبد الناصر في تشكيل حركتها الواحدة وتنظيمها القومي القادر على إدارة الصراع مع اعداء الأمة  وتوجيهه باتجاه تحقيق النصر الناجز .

 

 أن الحركة العربية الواحدة قد أصبحت اليوم ضرورة تاريخية وعلى القوى الثورية أن تتحمل مسؤولياتها في إنجاز تنظيمها القادر على تحقيق انتصارها في معارك المصير الذي تواجهه أمتنا ، فنحن مهددون فكرا وثقافة ، اقتصادا وسياسة، مهددون بوجودنا وهويتنا العربية ان لم نبادر لوضع أيدينا على الطريق الصحيح للنضال، وطريقنا الصحيح حتما هو في وحدة قوى الثورة .

 

 المسألة اليوم التي تواجه قوى الثورة في هذه الأمة

 

أن تختار المواجهة – ولا مفر من المواجهة – مع التحالف الاستعماري – الصهيوني – الرجعي بدون أداة موحدة قادرة على إدارة الصراع في الاتجاه الذي يحقق غايات النضال العربي . وبذلك تدخل في الطريق المسدود ويبقى الشوط طويلا بين الارادة والفعل  .. فالمشكلة القومية لاتحل إلا بإمكانات قومية . هذه اولى قوانين الصراع الذي يجب على قوى الثورة أن تدركها .

 

 أو أن تخوضه بأداة موحدة قادرة على حشد كل الامكانيات المادية والبشرية في معركة الأمة وصولا الى أهدافها . وهنا يجب على قوى الثورة أن تدرك القانون الثاني من قوانين الصراع وهو ان الحزب ليس غاية بحد ذاته وانما هو وسيلة لتحقيق غاية .

 

 على ضوء ماتقدم نستطيع القول انه لايمكن للامة أن تحقق وجودها الفاعل الإ بالوحدة ، ولايمكن للوحدة ان تتحقق إلا  بالثورة ، ولايمكن للثورة أن تولد إلا بالحزب القومي التقدمي  الذي هو اداتها ومنظم جماهيرها .

 

 

 

                                                                                     محمود فكرت والي