هل كان بن غوريون سيقول اليوم ما قاله يوم الوحدة!

 

عادل سمارة

 

 خمسة عقود مضت على الوحدة العربية الحديثة الأولى بين مصر وسوريا، أي اليوم الذي مثَّل وصول المد القومي العربي الحديث نقطة العُلُوْ القصوى، الأمر الذي تطلب إجهاد الثورة المضادة محليا وقوميا وعالمياً لنفسها كي تُطيح بهذا التحول العظيم/الخطير.

 

 وقبل الحديث في الأمر، لا شك أن الجيل العرب الحالي، وربما الذي سبقه لا يعرف عن هذا الحدث شيئاً، فهو تربى في مناخ التكفك والتفكيك، في مناخ القطرية والتبعية والهزائم والمذلة.

 

 ما نود قرائته في هذه المناسبة ليس سوى عبارة واحدة لمؤسس الكيان الصهيوني في فلسطين، ديفيد بن غوريون. الذي اعلن عندها: " انه ربما حان الوقت لكي تفكر اسرائيل جديا في ان تكون جزءا مما يشبه الكومنولث العربي أو أن تنضم إلى جامعة الدول العربية".

 

 ما الذي قصده بن غوريون آنذاك؟ وآنذاك لحظة مهمة في هذا التحليل بل هي اللحظة المهمة. فلو كان الوضع العربي آنذاك ذا سقف من مستوى مدريد/أوسلو، كامب ديفيد وادي عربة، استراق التطبيع و/أو إعلانه، و "إرتقاء" الخيانة إلى وجهة نظر بل اجتهاد، المقاومة إرهاب، لا مقاومة في حقبة العولمة، هيمنة المحافظية الجديدة في واشنطن وتل ابيب المحتلة، شجب الكفاح المسلح، تناسل الأنجزة سفاحاً معلناً، تموُّل قادة الأحزاب من الحكام، إستقبال بوش بسيف علي بن ابي طالب، قيام تسيفي لفني بالأستذة على ستة عشر "شنب" بطريركي حاكم في الوطن العربي، تحول أحزابٍ عربية كبيرة إلى مسوخ أنجزة، قفز عضو الكنيست إلى بطل قومي عربي...الخ،  لو كان الوضع كما ذكرنا، لقلنا إن بن غوريون لم يقصد أنه رأى آنذاك مصير "دولة الفرنجة الثانية".

 

 واضح أن حديث بن غوريون كان يعني بدء تفكك سايكس بيكو. وسايكس بيكو لم يكن فقط تمهيداً لإقامة الكيان الصهيوني الإشكنازي، بل لإقامة قطريات عربية تحميه، ولا يهم هنا مباشرة أو مداورة. فالمهم ان مجرد تفكيك الوطن العربي هو حماية لهذا الكيان. لذا، تم التفكيك بعقود قبل إقامة الكيان. ولذا، ايضاً هناك حبل سُريٍ وجوديٍ يجمعهما.

 

 لِمَ لا يكون بن غوريون قارئاً حاذقاً للأحداث، وهو كذلك حقاً. أما معنى عبارته، فهو البحث عن مخرج لسلامة اليهود كمستوطنين في فلسطين. هل كان مقصد بن غوريون، قبول العرب في مناخ الوحدة بدولة يهودية على أرض فلسطين؟ لا نعتقد ذلك، هل كان مقصده البحث عن طريق وسط يقود إلى عدم تصفية النظام الصهيوني؟ ربما. إن ما هو مؤكد أن بن غوريون ما كان ليصر على حلٍ من طراز كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وانابوليس. وقد لا نبالغ بالقول إنه كان يرى نهاية هذا الكيان.

 

 لكن تمفصلات سايكس-بيكو، هي التي طمأنت بن غوريون وضمنت بقاء الكيان. وليس شرطاً لأنها كانت حريصة عليه أكثر منها على نفسها، أو أن هذه كانت أوامر السادة في الغرب. ففي اساس الأمر أن هذه التمفصلات ما كان لها لتقبل بالوحدة العربية. ولذا، كان لا بد من هدمها...وقد حصل.

 

 مع تحطيم الوحدة بين مصر وسوريا، ولاحقاً تحطيم اتفاقية الوحدة بينهما وبين العراق، بدأ العد القومي التنازلي وصولاً إلى قمة أنابوليس التي اعترف فيها عمليا ستة عشر نظامٍ عربي بالكيان الصهيوني الإشكنازي. وهو الأمر الذي يعني "اندماج هذا الكيان في الوطن العربي اندماجاً مهيمناً".

قبل ايام قليلة قال ممثل الكويت في المؤتمر الأمني الأميركي/ الخليجي: "نعم، نقبل بمظلة نووية إسرائيلية للخليج في مواجهة إيران". قبل أيام ايضاً، قال وزير خارجية مصر: "كل فلسطيني من قطاع غزة يدخل الأراضي المصرية سوف نكسر رجله" وبالطبع، فالجنود المصريون لا يدخلون سيناء إلا بأوامر إسرائيلية. أي ان السيادة الحقيقية ليست لمصر. قبل ايام عقدت دول مجلس التعاون الخليجي صفقة تسلح من أميركا ب 13,2 مليار دولار، ومنذ عام 1989 وحتى 2007  اشترت دول الخليج اسلحة ب 72 مليار دولار. وبعد كل هذا مطلوب حماية صهيونية؟ وطالما ان الأمن بيد أميركا، فلماذا تشترون السلاح؟

 

 حينما قام الغرب بمجزرة احتلال العراق، قال ان العراق ستكون مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب الثانية. ليس هذا مجال نقاش وضع العراق، ولكن اليابان والمانيا ركزتا الثروة في التنمية طالما التسلح كان محظوراً، فلماذا تنفق دول الخليج كل هذه الأموال على اسلحة لا تستخدمها ولا تحميها؟

 

 قبل ايام قال ستانلي فيشر حاكم بنك إسرائيل، ان الأزمة المالية الأميركية قد لا تؤثر على إسرائيل، لأنها موعودة بمتاجرة واسعة مع الخليج العربي. وبالطبع لا ينطق الرجل عن الهوى فمبادلات مصر والاردن مع الكيان ارتفعت عام 2007 من قرابة 300 مليون دولار إلى اكثر من 500 مليون دولار عام 2007. وإذا كان هؤلاء الفقراء يشترون هكذا، فما بالك بأغنياء الخليج. انفتاح اقتصادي هائل على الكيان. ومتى، في أعقاب هزيمته في لبنان!

 

 أليس هذا اصطفاف سايكس- بيكوي دون مواربة. ولكن لماذا وبهذه السرعة؟

 

 اليس هذا لكي لا يقرأ احد بشكل حقيقي وجيد دروس انتصار لبنان عام 2006؟

 

 أليس هذا كي لا يقول أولمرت اليوم ما قاله بن غوريون قبل خمسين عاماً؟

 

 لا يخفى على احد ان المعركة اليوم اشد.