الحكيم: من يقاوم هو على طريق الإنتصار

 (الجزء الثاني والاخير)

 

د. عادل سمارة

 

* * *

القومي والقطري:

 

 "حزب العمل الإشتراكي العربي أحد فروع الحركة" (ص 21) . لكن لماذا حلت هي نفسها.

 

قال الحكيم:

" تعرضت القضية لانحرافين:

1-طغيان العام العربي على الخاص الفلسطيني مما غيب الهوية الفلسطينية رغم وجوب ابرازها في مواجهة عمل الصهيونية لطمسها.

2- نتج بعدها سيادة روح القطرية الفلسطينية التي وصلت أوسلو." ( سويد ص 79)

         

فالمسألة انتقلت من الحد الأقصى إلى الحد الأقصى المقابل. سلباً هنا وسلباً هناك. ما العِلَّة إذن؟ بل هي علل. ولكن يهمنا التأشير إلى واحدة هي أكثر تعلقاً بمناقشة إرث الحكيم. الحركة او التنظيم القومي. فالتحلُّق القطري الذي اصاب التنظيمات القومية، وإن كان البعث قد تميز بعدم حل بنيته القومية رغم أنها لم تتفعَّل من ناحية عملية، إلا أن مختلف الحركات القومية الإمتداد لم تعد قائمة. وهذا اعطى شرعية للقطرية الرسمية حتى لو من باب ملىء الفراغ. فكلما تراجع البساط القومي اكتست الأرض بالملاية القطرية السوداء. فطبيعتنا  ترفض الفراغ كذلك. ومن يفرغ قدره من اللحم يملأه بالماء والحصى.

 

حين لا يكون في الساحة سوى النظام والطبقة والخطاب القطري، يتورط العرب جميعاً في القطرية، بمن فيهم الفلسطينيين الذين هم قطريين بلا قُطر، ويصلون إلى اتفاق اوسلو : "إلى ولاية يعطيهم إياها الإحتلال" ويسحبها متى شاء، ويرضون في الحالتين!.

 

الإشتراكية

 

قال الحكيم: " انا ماركسي. يساري الثقافة، التراث الإسلامي جزء أصيل من بنيتي الفكرية والنفسية. معني بالإسلام بقدر اية حركة إسلامية. كما أن القومية العربية  مكون اصيل من مكوناتي... إنني في حال انسجام مع قوميتي العربية، ومسيحيتي وثقافتي الإسلامية، وماركسيتي التقدمية. (سويد المقدمة و ص 104).

 

" انني لا اجد تناقضا بين كوني عربيا يؤمن بالأمة العربية وبين ان اكون اشتراكيا حقيقي"اً (سويد، ص 29).

 

هذه المكونات الإنتمائية والفكرية والسياسية لا تحقق نفسها إلا في طبيعة الحركة التي تجسدها على صعيد قومي ، حركة قومية الإمتداد طبقية المبنى تسمح لكل قطر طالما ،التجزئة تنيخ على الوطن، بتحديد آليات واشكال نضالاته. لكنها حركة تتواشج وتتشارك بأعلى درجة من المشروع العملي.

 

قرأت ذات مرة الوصف التالي لفيديل كاسترو: "كاسترو وطني كوبي أممي".

 

هذا طرح مسألة الإشتراكية ليس بما هي فكرة محضة، بل بما هي مسألة صراع طبقي على الصعيد العالمي من جهة وفي البلد الواحد من جهة ثانية. هذا الصراع الذي انتهى حتى اللحظة بهزيمة العمل مقابل راس المال. وهزيمة العمل لا تتجسد ولا تنحصر في تفكك بلدان الإشتراكية المحققة، بقدر ما تتمثل في هزيمة الطبقات العاملة في المركز الراسمالي نفسه وفي محيطه بالطبع، وهي الهزيمة التي سمحت لراس المال بالتمكن من شن هجمة دولانية راسمالية ضد بلدان الإشتراكية المحققة مستفيدة من:

·       استخدام ما حصلت وتحصل، وستحصل عليه (إلى وقت قادم ليس بالقصير) من فوائض من محيطها

·       وما حصلت عليه من قيمة زائدة من المركز ذاته من الطبقات الشعبية

كي تستخدمه في إلحاق الهزيمة بدول الإشتراكية المحققة.

 

كما استفادت بالضرورة من الفساد والتكلُّس والبقرطة التي أصابت دول الإشتراكية المحققة، ومن خطيئتها في منازلة رأس المال في موقع قوته المتميزة، اي الإنفاق على التسلُّح.

 

وهزيمة دول الإشتراكية المحققة، أكدت بدورها على الضرورة القصوى للإشتراكية. فالراسمالية المنتصرة قد أشهرت تغوُّلها على صعيد عالمي، الأمر الذي جعل الإشتراكية ضرورة أكثر من اي وقت مضى. ولا حاجة هنا لإثبات ذلك بتوفير آخر ارقام ملكية أكبر 500 شركة في العالم وأسماء أثرى عشرة رجال...الخ.

 

المفيد إيراده هنا هو توصيف آليات عمل الصراع الطبقي على صعيد عالمي، واشتداد هذا الصراع بعد سقوط الإشتراكية المحققة عبر قيام راس المال ليس فقط بسحب منجزات النضال العمالي عبر قرون، وليس فقط في طرد المرأة للعمل المنزلي خالق الغباء والسذاجة، بل ايضاً اختطاف أمم بأكملها، حال العراق وأفغانستان ويوغسلافيا.
الأمر الأشد خطورة هو تعاطي وازدياد من يتعاطون مع هذه التطورات كأمور عادية. هذا الإستسلام المريع من قطاعات واسعة من الشيوعيين والماركسيين، هذا الإستدخال  للهزيمة على نطاق واسع كما لو كان انتصار رأس المال هو ما انتظروه وناضلوت من أجله. بل الخطورة الأشد كامنة في نقل ما انهار في داخلهم إلى الجيل الجديد، نقل شعار (تينا)
[1]!

 

بين إصرار الحكيم على ماركسيته، وبين التخلي التام عن الماركسية لدى قوى باسرها مسافة وعي وموقف لا تُقاس. وإذا كان لا بد من ذكرى، فهذا ما يجب أن نتذكره!.

المثقفون:

قال الحكيم: حول كون المأزق الفلسطيني مأزقاً فكرياً في الدرجة الأولى:  "نعم، لو كنت اليوم على راس واحدة من الدول العربية لجمعت المثقفين العرب، من مختلف الإتجاهات، وطلبت منهم دراسة هذه الأزمة. بعد ذلك، وفي ضوء دراساتهم ، نقوم بالعمل السياسي".(ص 117)

إذا كان الكمبرادور هو الخاصرة اليمنى الأضعف في المجتمع الفلسطيني، ففي حقبة التسوية اصبح المثقفون هم الخاصرة اليسرى الأضعف كذلك. وبعيداً عن الخوض في هذا المحيط، أود الإشارة إلى أن تدني مستوى الإفتراض الحزبي سواء من حيث الطرح النظري والتعميق الفكري والتحليل السياسي وتراجع الأداء النضالي وتمييع الإنتماء الطبقي...كل هذه ساهمت بوضوح في أنجزة الأحزاب، وطرد المثقفين الثوريين من الحركة السياسية الوطنية، وشراء كثرة منهم من قبل الأنجزة. وحتى وصول الأمر إلى تحول بعض المثقفين إلى قوى موازية في الوزن لحركات سياسية برمتها!

هل تستطيع حركة سياسية اليوم جمع المثقفين لتشكيل خزان فكري ليقوم بما يجب القيام به؟ وهل يقبل المثقفون ذلك؟ هناك مهرجانات ابحاث في البلد، ولكن كم مركز أبحاث حقيقي هناك؟

في مؤتمر هرتسليا لهذا العام اقترح مريدور (وزير المالية السابق للكيان) ان يُفرض على كل رجل سياسة أن يقرأ ساعة في اليوم كي يتمكن من التحليل. فالسياسي طفيلي على التحليل إن لم يقرأ.

 

العولمة والقومية:

 

قال الحكيم:

"انا لا استطيع القول ان القومية ابدية. لكن استطيع القول ان هناك في هذه الفترة التاريخية الطويلة ، ثوابت –ومنها القومية- وبالتالي لا اعتقد ان العولمة ستكون قادرة على محوه" (سويد ص 90).

 

تتطلَّب العولمة قراءات عدة. إنما، لا بد من قراءة العولمة في علاقتها بكل من أمم وبالتالي قوميات المركز من جهة وتلك في المحيط من جهة ثانية، كل على حدة، بل بانفصال تام. كما لا بد من قراءة قيام المركز بخلق قوميات عامة جديدة كالإتحاد ألأوروبي تتجاوز روابط الدم وتنخرط في روابط الإقتصاد والمنافسة، هذا من متغيرات القومية واحتمال انتقالها إلى العالمية فالأممية. إذا كانت القومية مرحلة فيمكن ان تكون انتقالية ويمكن أن تأخذ اشكالا ومضامين مختلفة في خدمة طبقة او شعب او العالم. ويمكن أن تُستخدم اداة ضد شعبها كذلك.

 

اتخذت القومية في علاقتها بالراسمالية ثلاث حالات في ثلاث مراحل لتطور راس المال:

 

الموجة الأولى[2]: القومية حينما كانت الراسمالية الأوروبية في حقبة صعودها ومن ثم توسعها الإستعماري. كان ذلك في القرن التاسع عشر الذي أُسمي عصر القوميات افتئاتاً مركزانياً أوروبياً على أمم الأرض المُخضعة والمستلبة والمنهوبة والذبيحة.

 

الموجة الثانية: في القرن العشرين حيث ثورات العالم الثالث وحيث اتخذت القومية حالة جديدة، قوميات العالم الثالث الثائرة ضد الإمبريالية. وهذه التي وضعت موقف كثرة من الماركسيين في مشكلة واضحة مع المسألة القومية، فلم يستطيع الكثيرون منهم كسر التابو الذي اعتبر القومية سلاحاً في يد البرجوازية، ابقاها في نطاق الشوفينية  ونفى عنها الطابع الشعبي. وربما كانت القومية العربية أكثر القوميات خسراناً في هذه الفترة ومن هذا التعريف لدرجة ان القوى الثورية المحلية وقعت في إشكالات هائلة بين أن ترفع لواء القومية والأمة وبين أن تتمسك بتعريف قديم لماركس عن القومية فكان الخسران المبين.

 

لقد عجزت كثرة من مثقفينا عن التقاط المحدد الجوهري في المسألة القومية :

·       قومية الطبقات الشعبية وهي وحدوية وتقدمية واشتراكية ومقودة بالمصلحة المادية للطبقات الشعبية في الوحدة، وليست قائمة على العواطف والتاريخ واللغة والجغرافيا وحدها

·       وقومية الطبقات الكمبرادورية، وهي لفظية معادية للوحدة، قطرية وممالئة للإمبريالية.

 

وبقي امر الأمة العربية والقومية العربية حتى اللحظة منسوباً أو مضمخاً بتهمة الشوفينية والموقف الإستعماري في حين أن الأمة العربية باسرها تحت ألإستعمار والإحتلالات المتنوعة تنوع توليدات الفطر.

 

الموجة الثالثة: وهي القوميات الجديدة ذات الطابع الإثني والمذهبي وحتى الطائفي، وهي القومية في حقبة الراسمالية المعولمة. قوميات في أغلبها من صنع مافيات وكمبرادور عميلة للمركز بلا مواربة. وفي هذه الحقبة كذلك ظلت القومية العربية ضحية لدرجة أن حركات انفصالية مشبوهة تقودها مافيات وكمبرادور وعملاء، تزعم أن الأمة العربية تضطهدها، مثل الحركات الكردية الإنفصالية التي تشارك في تصفية الثوريين الأكراد اي حزب العمال الكردستاني، وتقيم علاقات تعاون مع الكيان الصهيوني.

 

فلسطين:

 

ليس كثيراً ما يسمح به المقام ليناقش. فتجربة نضال الحكيم مواكبة كتأسيس في نضال الشعب والأمة على الصعيد الفلسطيني. لذا، ساتوقف عند بعض المحطات الفاصلة.

 

الأرض المحتلة مركز الثقل:

 

أعتقد ان فشل الحركة الوطنية الفلسيطينية في خلق حاضنة شعبية عربية، حتى لو تركز النضال أكثر ضد الأنظمة، وتقلص لصالح فلسطين لكانت النتائج أفضل، هذا الفشل اشعر المقاومة أنها "وحدها". كما أن قرار الخروج من لبنان لم يجسد كومونة باريس ولا تراث القرامطة. وهذا قضى على العمق العربي. وعليه فالحديث عن ان مركز الثقل انتقل إلى الداخل ليس صحيحاً، اصبح الداخل الملاذ الأخير، وأصبح مركز الثقل التسووي، وملجأ للقيادات التي حققت العودة لها وليس للشعب. والمهم كرست تقسيم الفلسطينيين وتخلي المقاومة عملياً عن من ليس في الأرض المحتلة. باختصار، كان لا بد من البقاء في لبنان وفي سوريا.

 

فالأرض المحتلة مركز الثقل كبؤرة مقاومة، وليست مركز الثقل على أرضية التفاوض. والفارق بينهما هائل. لأن مجرد العودة العلنية إلى أرض الوطن، هو تقاطع مع الأرض المحتلة كمركز ثقل تفاوضي. وربما لهذا تحديداً حافظ الرجل على شرف عدم العودة عبر علنية أختام الحدود وتصاريح ال ( VIP).

 

الدولة الفلسطينية:

 

إن الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة الإشكنازية مسألة خلافية بل غير عملية وهي اقتسام الوطن مع العدو على أرضية "إقتصاد التساقط”  ( Trickle-down Economy ). ولا شك أن العودة عبر الجسور والتفاوض منحازة لصالح أطروحة الأرض المحتلة مركز الثقل بالمعنى التفاوضي.

 

قال الحكيم:

"أنا اريد دولة فلسطينية في هذه المرحلة. وأعتبر هذا الموضوع مرحلياً، لأنني اريد كل فلسطين، كلها" ص 102

 

ربما لهذا بالضبط وُجهت انتقادات صهيونية للموساد لأنها لم تقم باغتيال الحكيم، فرحل دون اغتيال.

 

اجتهاد الحكيم هنا صحيح. ولكن يعيبه أمران:

 

أولاً: إن التطورات لا تسمح بذلك، أقصد بدولة فلسطينية كحل مرحلي. فالإحتلال ومعسكره يريدون بالدولة الفلسطينية دولة جورج بوش وليس وطن جورج حبش. يريدون دولة تعترف اساساً ومسبقاً بالكيان الصهيوني من جهة وبرؤيته لطبيعة ومساحة ودور هذه الدولة من جهة ثانية[3].

 

من يريد كل فلسطين، يعي انه يريد دولة فلسطينية على كل شبر يحرر حقاً، وليس على شبر يُحصل عليه بالتفاوض ليتخلى مقابله عن أميال ليس من فلسطين وحسب بل من الجولان وجنوب لبنان وسيناء والأغوار الأردنية ايضا، وربما يُطال تسوماني تبادل الأراضي أجزء من شمال السعودية[4].

 

وثانياً: لأن التطورات لا تسمح، فالقبول بمشروع الدولتين يسمح للكثيرين باستخدامه لتبرير الحكم الذاتي كنواة لدولة لن تكون دولة.

 

وعليه، إذا كان لنا أن نرى التماسك بين فكر الحكيم ومواقفه، فهو هنا بالضبط أكثر مما هو في اي موقع او موقف فكري آخر. ما من شك أن الرجل كان يود لو يُدفن إلى جانب أخته الكبرى في اللد. ولكن بين العواطف والمواقف قرار نفسي صعب ولا بد للتاريخيين أن يمتطوه.

 

يمكن للمثقف والمفكر والأكاديمي أن يكتب الكثير، وأن يتحدث أكثر، وان يلقي بالتعهدات على عواهنها، ولكن العبرة في التخطي، في اتخاذ الموقف ودفع ثمنه.

 

لذا، كان لا بد للرجل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة دون ضجة إعلامية ودون مستشفيات كبرى في المركز الراسمالي، ودون اطباء لم يشهد التاريخ امثالاً لهم ودون أن تنفق عليه ميزانية م.ت.ف ما أنفقته على كبار الفساد والإفساد. إذا كان للذين حزنوا على الرجل وبكوه، أن يعرفوا الأهم والأشرف فهو في هذه التفاصيل. هي تفاصيل ولكنها في حقبة التنازلات، قواعد ورواسي.

الوحدة الوطنية:

قال الحكيم:  منذ 1967 سعينا لتأسيس جبهة وطنية عريضة (فتح الصاعقة شباب الثأر ابطال العودة  وجبهة التحرير الفلسطينية جبريل فاجأنا أبو عمار بالذهاب للداخل وأعلن ان الوحدة الوطنية تتحقق في الميدان! (سويد ص 40)

ولكن، ما هي الوحدة الوطنية المطلوبة لشعب مشرد ومحتل؟ أليس المطلوب جبهة وطنية واحدة؟ وهذا ما لم  يحصل على الصعيد الفلسطيني قط. أما منظمة التحرير الفلسطينية فكانت ولا تزال نسخة عن جامعة الدول العربية. بيت يسكنه الجميع، ولكن، يفعل فيه كل ما يريد ولا يأخذ أحد براي الآخر إلا إذا موّله![5]. ومن هنا ظلت هذه المنظمة زاعمة تمثيل كل الشعب الفلسطيني سواء من يقاوم ومن يساوم.

إذا كانت حركة مقاومة لشعب في الشتات وتحت الإحتلال لم ترتق إلى مستوى جبهة وطنية،  فهل يمكن أن تحقق وحدة وطنية ذات معنى؟ ليست عبقرية الإجابة ب (لا). فهذه ال (لا) ضخمة بحجم الوطن ومهمة تحريره.

سؤال: ولكن، لو كانت هناك حركة قومية شاملة هل كانت ستحاصر فريق التسوية وتضيِّق هامش المناورة ومن ثم تفرض وجوب الإختيار بين تحالف مع الأنظمة وتحالف مع الشعب، وبالتالي تجعل من الهرولة نحو التسوية أمراً صعباً على الأقل؟.

الإنتفاضة وأوسلو:

يقول الحكيم:

"مع الإنتفاضة راهنت لأول مرة  على ان من الممكن تحقيق الحرية والإستقلال على جزء من فلسطين كنت اقول في نفسي : لو استمرت الإنتفاضة على هذا النحو فستضطر إسرائيل الى الرضوخ" (سويد ص34).

على ماذا قامت هذه المراهنة؟ أعتقد أنها قامت على طبيعة التقارير التي كانت تخرج من الأرض المحتلة إلى الخارج، ناهيك عن التضخيم الإعلامي بالنص والصورة للإنتفاضة الأولى. كان لا بد لهذه التقارير وذاك التضخيم أن يوحي للرجل بالإمكانية التي توصل إليها.

لقد أكدت في كتابي  التنمية بالحماية الشعبية (آذار 1988)، أن الإنتفاضة على مباركتها لن تنجز دولة. ولم يكن ذلك لأنني أؤمن بحل الدولتين، فهو حل لم أؤمن به قط، ولكن لأن المعطيات وميزان القوى كفاحياً وسياسياً لم يكن ليساعد أهل الدولتين على تحصيل دولة للفلسطينيين.

ومن جهة ثانية، فالكيان الصهيوني الإشكنازي لا يمكن أن يتغير او يتحول إلا وهو مهزوماً. وإذا هُزم، فلماذا لا يكون الحل بدولتين؟

لقد اتضح موقف الكيان حينما  اشترط: "وقف الإنتفاضة للموافقة على اتفاق أوسلو" (سويد ص35)

وضع فلسطين الآن:

 

لعل الدرجة التي وصلت إليها قوى فلسطينية عديدة باعثاً على الصدمة حتى لمن عرف البنى والنوايا والتوجهات والمصالح. ولا أعني هنا الإنقسام إلى المقاومة والمساومة، ولكن أعني خلخلة المبنى المجتمعي نفسه. وهي الخلخلة التي لا تخفيها لا العنتريات ولا التفجعات ولا نسب قوة هيولية للشعب الفلسطيني بما يفارقه عن الأمة والأمم.

 

هل يمكن لمجتمع ان يقاوم دون أن يُطعم نفسه؟ وهو ممول من اعدائه؟ مجتمع تم تفكيكه تطويعه بحيث لا ينتج ولا يعمل بل تفرق بين كثرة من الطوابير ، تنويعة من الطوابير:

·       طوابير وكالة الغوث

·       طوابير الأنجزة

·       طوابير المؤسسات الدولية

·       طوابير موظفي السلطة الممولة من مانحين هم خالقو الكيان الصهيوني وضامنو بقائه وتفوقه في كل أمر.

·       ولا شك أن هناك طوابير مخفية من عملاء دول عديدة، لا نعرفها الله يعرفها.

·       أما المادة اللاصقة التي تسمح لكل هذه الطفيليات بالبقاء في جسم المجتمع فهو الفساد والإفساد والتطبيع في الأرض المحتلة وهو الأعمق والأشمل مقارنة حتى بأنظمة الكمبرادور المعترفة بالكيان.

 

فهل يمكن لهذا المناخ أن يدع متنفساً لمقاومة شعبية؟ هل المقاومة ممكنة وقد صلنا إلى درجة العجز عن القيام باي عمل لوحدنا إلا بتمويل أجنبي؟ من لا يقبل هذا التحليل الحارق، فليقرأ الصحف المحلية. لقد وصل الأمر إذا التقى الرجل زوجته فذلك بدعم من: "الوكالة الأميركية للتنمية، فريدريش إيبرت،  برتش كاونسل، المركز الثقافي الفرنسي. وحتى من الحكومات غير الحكومية النرويج السويد الدنمارك...الخ. هل كل هؤلاء فاعلي خير.

 

الدولة الواحدة: بعيداً عن ملابسات الحديث فيها، يزداد عدد من يقولون بها. وهي تجمع أطيافاً من ماركسيين وشيوعيين قوميين وصولاً إلى عملاء الوكالة الأميركية للتنمية والملتقى المدني الأميركي. هل تتصورون كل هذا، ومن بوسعه كشف الهويات والنوايا! إذن هي مسالة على أهميتها مثابة حقل ألغام.

 

لقد تحول البعص اليها بعد اقتناعه بفشل تجربة الدولتين، أو لأنه لم يجد له مكاناً في عربة الدولتين. ما يهمني هنا إلقاء الضوء على تناقض مشروع الدولة الديمقرطية العلمانية مع المشروع القومي، فما بالك بالأممي.

 

فالموقف الفكري/النظري ليس انتقائياً ومتغيراً إذا كان هو دليل نظري حقاً. إن دولة ديمقراطية علمانية كما هي مطروحة الآن هي مطالبة اللاجئين بالإنتقال، إذا كان حق العودة مطروحاً من أصحاب هذا المشروع، من اللجوء القسري إلى عبودية طوعية. هي معادية للمشروع القومي الشعبي العربي. هي آلية إخضاع جديدة للفلسطينيين، بمعنى ان من احتل الأرض يبقى فيها. وبقاء الأرض بيد اليهود هو نفسه أفضل عامل لعزوف اللاجئين عن العودة بأكثريتهم وبالتالي، فمشروع دولة ديمقراطية علمانية بمعزل عن تأميم الأرض على الأقل إن لم يكن انتزاعها من المستوطنين هو تصفية خبيثة لحق العودة. وخلوها من البعد العربي هو تجنيد فلسطينييها ليكونوا أداة للسلطة الإستيطانية الحاكمة، ربما حرس حدود جديد!.

 

قلة أو ندرة من المستوطنين يتحدثون عن هذا الأمر، وأكثر من يتحدثون منحدرين إما اصول يسارية بما فيها التروتسكيين الذين يرون تحقيق الأممية عبر عولمة راس المال في امبراطورية الولايات المتحدة ومدرستها الجديدة المحافظية الجديدة. هؤلاء اليساريون المتحولون "ببرويسترويكا" أميركية يضعون لنظرائهم الفلسطنيين خطاً فاصلاً: نسمح لكم أيها التلامذة بالحديث عن دولة ديمقراطية علمانية، غير إشتراكية ومعزولة عن العرب. فيقول التلامذة (رغم أن شنب الواحد منهم يسحب تراكتور) نعم ايها المعلمين! ألا يدفع هذا إلى وجوب تجاوز "الهيمنة الثقافية والفكرية للمركزانية الأوروبية بيمينها ويسارها؟

 

في الجانب الأهم في الأمر، فالعدو يراهن على:

1-   تمتعه بالقوة المتفوقة إلى الأبد