عمال، إضراب وفي مصر

 

بهذا يجب هدم النظام الرسمي العربي

 

 د. عادل سمارة

 

 * * *

 عمال  أولاً وهذا الأهم، وحركات سياسية وفي مصر تحديداً، هذا  جديد مصر. وليس هناك أكثر من هذا مما تحلم به قاطرة التحول العربي. تحول، تغير، انتقال، ثورة...الخ، لا باس بأي منها. فحين تصل الأنظمة الحاكمة إلى درجة هائلة من الحكم بالفساد من جهة، وبالإرتباط السياسي بأعداء الأمة من جهة ثانية، وبسيطرة الكمبرادور الذي يقتلع بمصالحه ودوره البنية الإنتاجية للبلد من جهة ثالثة، يكون تقاطب النضال تحديداً في المحلة الكبرى. مركز التنمية بإحلال الواردات، أو الطبعة الإشتراكية لبلدان عديدة في العالم الثالث إبان الحقبة الناصرية، وتحديداً حقبة باندونج.

 

 المحلة الكبرى، هي الهدف إذن بقاعدتها الصناعية التي يجري تذويبها وخصخصتها وعدم تطويرها وأخيراً تجويع عمالها.

 

 تجد المقاومة الشعبية وسائلها وأدواتها رغم القمع الرسمي المعمم. فلم يكن للإعلام الرسمي في مصر أن يسمح بتداول فكرة الإضراب، ولا للإعلام الرسمي العربي الذي عقد اتفاقاً غير مقدس مؤخراً لمنع توجيه اي نقد لأي نظام. تصالح تام بين الأنظمة لأن التشابه تام في الدور القمعي والإفسادي والنهبوي.

 

 وكان هذه المرة للبريد الإلكتروني دوره في عملية التعبئة والتواصل والقرار. لا بأس، فلتكن الطبقة العاملة في مصر على صلة بأحدث وسائل التحريض. كيف لا والإلكتروني طالما يستخدم لما يخدم الطبقات الحاكمة على صعيد عالمي. أحياناً، فلا لا بد للشيىء أن يولد نقيضه لأن كل شيىء حي ومتحول.

 

 يصل عديد قوات النظام المصري إلى بضعة ملايين. فالقوات الخاصة لوحدها كانت ربع مليون في عهد منشئها ومستخدِمها أنور السادات منذ عام 1975. ولو كان لهؤلاء ان يتوالدوا، كيف لا؟  فالمسالة هنا ليست ذكورة وانوثة، فالقمع يتوالد ويتناسل كالأميبا-  لقاربوا المليون. فما بالك بالقوى والأجهزة الأخرى.

 

 أجهزة الأمن في الوطن العربي هي حامية الأنظمة. وما معنى هذا؟ معناه أن هذه الأجهزة هي مانعة التنمية وقامعة الحرية ومغتالة الديمقراطية وهي التي تستدعي التبعية والإستعمار والإحتلال، وكل ما يمكن أن يساهم في تخريب الوطن وتدميره.

 

 كل هذه الأجهزة الآن مستنفرة في مصر مأمورة من النظام الحاكم، من الحزب الحاكم. فاي يحزب هذا الذي يعمل دوماً ضد البلد، واي حكم هذا؟

 

 وفوق هذا وذاك، هناك أجهزة "المستعربين- تسمية صهيونية لعملائها الذين يندسون بين الفلسطينيين لإغتيال" اي عملاء المخابرات الذين يلبسون الزي المدني ويندسون بين العمال بهدفي : الإرهاب وجمع المعلومات.

 

 أما وقرار الإضراب قد اتخذ علناً، فقد خسر هؤلاء سلاح التخويف وبقي سلاح التجسس، وهو ما يليق بهم.

 

 وتعبيراً عن أزمة النظام وعجزه عن تلبية الحد الأدنى من حقوق، ولا نقول مطالب العمال/ فهو يعلن أن : "المضربين خارجون عن القانون". أي  قانون؟ قانون التجويع والصمت. قانون أكل الجوع والتغذية عليه. فمن أراد ان يأكل فليأكل الجوع، وهو السلعة الوحيدة المتوفرة للجميع في مصر.

 

 ذات يوم، كانت قطريات النفط العربية، تلقي بعض الفتات إلى قطريات التصحر والجوع والعجز العربية. بمرور كل يوم يزداد حتى الجفاء بين القطريات نفسها، فلا تعود هناك تدفقات لفتات النفط إلى دعم السلع الأساسية في بلدان العجز. أو ربما، بل هذا الأصح، أنه حتى لو تدفق بعض هذه المساعدات، تسرقها الأنظمة والطبقات الحاكمة، ولا تخشى في النهب لومة لائم لأنها محمية بجيوش الأمن التي يقوم الفرد فيها ببقر بطن امه، لأنه هكذا تربى! فهذا الوطن مليىء بجيوش من "الإنكشارية" التي قررت التنازل عن وعيها وحتى روابطها الأسرية بوعي وليس لأنه قد حَيل بينها وبين الوعي بتربية ارتزاقية منذ الطفولة.

 

 وفوق كل هذا، تمكن النظام المصري من اختراق بنية الإتحاد العام لعمال مصر، وهو الأعرق عربياً، أي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ليقف اليوم رئيس اتحاد العمال، وهو لا شك "منتخب" مخابراتياً ليطالب العمال بعدم الإضراب!

 

 أكثر من طرف سياسي يدعم الإضراب ويدعو له، الناصريون واليسار والإخوان المسلمين وكفاية اللبرالية، فهل هذه محاولة بناء الكتلة التاريخية على الأرض؟ ولم لا؟ لا سيما وهي تتجمع لدعم مطالب عمالية.

 

 لا ندري ما هي حدود نجاح الإضراب، وما هي مقادير القمع الذي سيحصل وما هي دماء الفقراء التي ستسيل؟ كل هذا مهم، ولكن بيت القصيد انها محاولة، وهي الأولى من نوعها، وأهميتها في مجرد حصولها. بل مجرد الدعوة للإضراب هي وثبة عمالية ثورية، في وجه العولمة التي رأى أهلها أن باب التاريخ قد أغغلق ورائهم، بل سيغلق عليهم.

 

 بهذا المعنى، يعود الزمن بل التاريخ ليقف على قدميه ثانية، إنها حركة الطبقات الشعبية، قاطرة التغيير، ولو بطيئة، فليس التغيير لا بلهيب النفط، ولا هدير الدبابات الإنقلابية. لا بل إن لهيب اسعار النفط وحرارة سعر الخبز، حيث تتحول الحبوب إلى الوقود الحيوي، هي التي "تحرش جوع الصغار- عبد اللطيف عقل".

 

 ليس الإضراب عمالياً وحسب، فهو عماليا في الأساس، ولكنه إضراب مطلوب من المحال التجارية والمؤسسات التعليمية وكافة قطاعات المجتمع وخاصة المرأة التي أعادت العولمة هيكلتها، وأعادت الأنظمة العربية لفها بالجلباب متذرعة أن هذا فعل افسلام وحتى الإسلام السياسي، وهذا ما يرعب نظام التطبيع، لأنه امام حالة من "تجربة" العصيان المدني. وليست ظلال انتفاضة 17-18 يناير 1978 بالبعيدة. أسماها السادات "انتفاضة الحرامية". لا باس، لقد كان له ما كان. وحتى لو حصل وسُرق شيئاً ما، وربما قام به عملاء السادات: فلا بد من سرقة الأموال المسروقة" هكذا قال لينين للبلاشفة عشية ثورة أكتوبر، وكان لهم ذلك.

 

 نعم، إن أفضل سني العيش حتماً هي التي ستأتي-ناظم حكمت.

 

 هكذا يجب هدم النظام العربي، وليحزن قليلاً مأفون الحرب

 

موضوعات سابقة