الأنظمة العربية أنهت صلاحيتها بنفسها

محمد علي الحلبي

 

     في زحمة الأحداث التي تمر بالوطن العربي برمته ومن كثرتها وتنوعها وما تخلفه من مآسي تترك الواحد منا يغوص في تحليل وتعليل الجزيئات التي يراها أو يسمع عنها صبح مساء جاهداً أن يجد أو يوجد الحل لها، إرضاء لضميره وحفاظاً على وجوده ووجود من يهمه أمرهم على جميع المستويات....الأسرة....البلدة....الوطن القطري....والوطن القومي. والحل هنا جزئيا أيضاً يتماشى مع الوقائع و المعلومات التي هي قيد البحث والنظر فيها.

هذه الحالة إن استمرت ففيها خيبة أمل كبيرة لأنها قاصرة وعاجزة لمحدوديتها وجزئيتها،ومثل هذا النهج يولد لدى المرء الكآبة والتيه الكبير الباعثان على اليأس وفقدان الأمل ومن ثم العجز النضالي،وذلك ما يتمناه ويريده ويعمل له أعداء الأمة العربية في أي مكان تواجدوا فيه...بيننا وفي مرابعنا  ,    أو بعيدين عنا.

إنها حقيقة ثابتة فالضياع والتشرد الذهنيان ينهيان الوجود الروحي وحتى الجسدي بكاملهما مغلقين عليهما الماء والهواء وكل مقومات الحياة،والخروج من هذه الدوامة التي وُضعنا فيها , وأسهمنا بوضع أنفسنا فيها عن جهل أو معرفة      بسيط وسهل فهو يتركز في الشمولية نقيضة الجزئية  ،  والشمولية هنا تعني لكل من تقصدها العلمية في استقراء الحوادث بجملتها وتحليلها للوصول إلى النتائج ومسبباتها ووضع الحلول لها وبذلك نكون قد توخينا الدقة كل الدقة بلا أخطاء أو مع أخطاء قليلة نسبياً فيما يتعلق بالمصير الواحد المشترك زادنا في هذه المسيرة التاريخ وشواهده.

 

     وفي عودة للضوابط الفكرية نجد أن مفهوم الأمة وفي تعريف الموسوعات السياسية   "الأمة هي قوم أصبحت لديهم وحدة فكرية ونفسية وثقافية على مرور عدة عقود أو عدة سنين,  وهذه الأمة أصبحت واحدة و بنفس الوقت تطلعاتها واحدة...لغتها واحدة وبفعل عوامل مختلفة  " ولو طبقنا هذا المقياس والتعريف لتأكد لنا أننا كعرب أمة واحدة يجمعنا إرث كبير قديم من هذه المكونات جميعها ، ومن الطبيعي والمنطقي أن تكون الأمة الواحدة موحدة فوق أرض واحدة ،وتلك هي سنّة الحياة ومن نواميسها الواقعية فلا توجد أمة على وجه البسيطة سابقاً وحالياً باعدت بين أفرادها الحدود وحرمتهم من حقهم الطبيعي في العيش المشترك بكل آماله وآلامه وأفراحه إلا أمتنا العربية والقلة القليلة  التي جزأ وحدتها الاستعمار  ، لذا تنادى المفكرون في مطلع القرن الماضي إلى تبني الفكر القومي رافعين شعار الوحدة العربية بعد أن قسّم الاستعمار أوطانهم إلى  "دويلات"  وفي آرائهم كانوا المعبرين الأوفياء  عن تطلعات جماهير أمتهم  " فقد أدركوا أن القومية شخصية عناصرها مشتركة وجماعية ومتميزة لمجموعة من الناس العرب وأنها حقيقة تاريخية لغوية ثقافية اجتماعية تجعل من الأمة العربية وحدة اجتماعية تاريخية متميزة تقوم على التثقيف القومي،وحركة القومية العربية تهدف إلى تجسيد وجودها في شكل مؤسسات قومية،اجتماعية،اقتصادية،وسياسية مستقلة،والقومية العربية هي الظروف المعنوية والثقافية التي من خلالها تدرك الأمة وجودها الوحدوي الجماعي وهذا بدوره يجعل من الإدارة الجماعية للشعب بأن يحدد مصيره بين الأمم الأخرى عاملا ًأساسياً في إرساء الفكر القومي  "   ،  ولقد مهدّ ذلك وشدد على دور الجماهير وبأن تتحول إلى حركة شعبية سياسية.....

فالدور الأساس للجماهير وليس لغيرها،وعندما تكبر الغايات وتتعاظم الآمال فلابد من مجموع كبير يحملها ويعمل لأجلها وحصر ذلك بأفراد بعينهم وترك الأمور لهم جناية كبرى تطال كل المستقبل،لكن عندما تكون الجماهير في حركة بناءة دائمة تبرز من بين كتلها الضخمة رموز وطنية قومية يبادلونها الحب والثقة،وتبادلهم الهيام والطاعة والسير في ركابهم...لقد جسّد الشهداء ذلك في نضالهم أيام الاستعمار العثماني والفرنسي والبريطاني والإيطالي،وفي مواجهة الحركة الصهيونية ورمزها"إسرائيل".

كانوا قمم شموخ وإباء عبر الزمن،وظلوا رموزاً تثير فينا مكامن العزة والتطلع للإقتداء بهم،وكان من رموزها وللأمانة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما كانت الجماهير النموذج في دمشق تزحف صباح كل يوم لتنعم بكلماته وتبادله تحياته.

لقد عبّرت الأمة عن أصالة وصدق مشاعرها القومية وتجسيد أمانيها في هذه الرموز داعمة لها عاملة إلى جانب أبطالها .....في تلك الأيام طغى المدّ الجماهيري وهدم كل حصون المؤامرات -   حلف بغداد، النصر في بور سعيد إبان العدوان الثلاثي عام1956، ثورة اليمن، انتصار حرب التحرير الجزائرية واستقلال الجزائر واستقلال ليبيا، والوحدة بين الإقليمين سوريا ومصر -  .

وكان أيضاً خوف الأعداء من المدّ الثوري الجماهيري وحمايتهم للنظامين في لبنان والأردن عسكرياً....القوات الأمريكية نزلت في لبنان والإنكليزية في الأردن.

وفي هذه الأيام ما تزال الجماهير وفية لمبادئها ومعتقدها حاملة ذكريات الألق والضياء في زمن تزداد فيه العتمة ويحلك الظلام،ولئن كانت الأصالة القومية إقرار بحقائق وعودة إلى الجذور فإنها اليوم أكثر ضرورة أمام التحديات الكبيرة التي وضعت أمامها وازدياد نزوعها للوحدة حفاظاً على وجودها الذي راح يتعرض يومياً للمجازر حتى بات الوطن العربي برمته وكأنه مذبح للمئات من الأفراد  وفي حالة تعطش دائم ً لزيادة الأعداد.

لقد حوصرت الأمة العربية بجملة من التحديات الخطرة:

1-     الكيان الصهيوني وحروبه المستمرة اليومية لأكثر من نصف قرن بهدف:

أ‌-       التوسع وتحقيق النبؤات الصهيونية.

ب‌-  استنزاف الثروات العربية وتفتيت الجبهات وبث الفرقة والنزاعات لتتحول المعركة إلى معركة ومشاحنات عربية....عربية.

2-  الغرب ومطامعه الاستعمارية وإقراره وعمله الدائم على تقسيم الوطن العربي،بل إلى بث الفرقة بين أبناء الأرض الواحدة مستغلا ًتباينات اجتماعية ما كانت لتظهر لولا السعي الحثيث لإزكائها،إضافة إلى وضع كل المعوقات أمام التنمية بشقيها القطري والقومي وسيطرته على مصادر الإنتاج سيما"النفط"و75% من النفط العربي تسيطر عليه شركات أمريكية   ,  والعمل الدائم لاحتلال الأسواق لتصبح المجال الرحب لتوزيع وبيع سلعه.

3-  إلغاء مقوم الوجود الروحي من معتقد وثقافة وماضٍ.لقد عبّر عن ذلك ومنذ زمن الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في كتابه(نصر بلا حرب)حين طالب بأن تنتزع الولايات المتحدة مشروع الزعامة الروحية من العالم أيضاً،كما انتزعت الزعامة الاقتصادية والعسكرية،والوقائع الحالية تؤكد هذا النهج فتعديل المناهج المدرسية والهجوم على الإسلام في جميع المجالات ووصمه بالإرهاب والإساءات للرسول العربي الكريم وللتاريخ الإسلامي كلها تصبّ في قناة القضاء على الأمة العربية روحياً بعد أن حققوا انتصارات يجب الاعتراف بها من خلال واقع التجزئة الحالية وتكريسه.

وتلك الأسس الاستراتيجية لأعداء الأمة وجدت طرقها عبر:

1-  مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يشمل عرباً وغير عرب   و "إسرائيل"  المطلوب أن تدخل في النسيج العربي والبنية العربية لتنشر جراثيم وفيروسات قاتلة في خلايا هذا الشعب.

2-     الشراكة العربية الأوروبية.

3-     مشروع المنطقة التجارية الحرة العربية الأمريكية.

 

والجلي هنا أن عدم التكافىء في القدرات الاقتصادية الإنتاجية يفسح المجال للإنتاج الرأسمالي الاستعماري ليحتل الأسواق العربية ويحطم ويلغي أية مشاريع تنموية عامة كانت أم خاصة وبذلك تضعف القدرات الاقتصادية وتقل حصائلها المالية التي لو توفرت لزادت من مداخيل الأفراد ولعززت القدرات العسكرية الدفاعية.

     لقد بتنا على أعتاب تهديدات مستمرة مدمرة لأمننا القومي والغذائي والاقتصادي والثقافي والفكري،بل وحتى الأمن المائي الذي نعتاش منه في ردّ العطش وإنتاج محاصيلنا الزراعية،وجميع الباحثين يقدرون أن العقود القادمة سيكون الأمن المائي مبعث اضطرابات وحروب في المنطقة العربية القليلة مواردها المائية والتي تمر فيها أنهار منابعها ومصادرها من أراض غير عربية......إن فكرة تقسيم السودان وتحديداً الجنوب تشكل خطراً على مصر في نيلها هبة حياتها،ألم يقل دائماً"مصر هبة النيل"؟!......وباقي مصادر المياه العربية ليست بأحسن حال والترابط شديد بين الأمنين المائي والغذائي.

ومما يجدر ذكره هنا أن اقتراحاً سودانياً قدم لمصر لاستقبال أكثر من مليون فلاح يزرعون الأراضي السودانية لمصلحة البلدين- والسودان اعتبره كل الاقتصاديين سلة الغذاء للوطن العربي -  , لكن الاقتراح رفض استجابة للضغوط الأمريكية.

 ان  الواقع الحالي المهدد لمصالح الأمة العربية وحتى وجودها يجعل من العمل العربي المشترك والوحدة بكل أشكالها ضرورة ملحة للمحافظة على هذه الأمة مما  يدبر لها من شراك وقتل وتدمير،والرقعة العربية بكاملها  وما يجري عليها خير دليل على ذلك من فلسطين إلى العراق فالصومال والسودان 0000000.

 

     لقد اختزلت الأمة العربية طموحها القومي عبر مسارين-  رسمي وشعبي  -   فالشعبي تمثل في وحدة مصر وسوريا عام1958والتي لم تدم طويلا ًبفعل عوامل ذاتية ومؤامرات خارجية وحتى عربية  ،  ومن عاش تلك الفترة يذكر الحملات الإعلامية الأردنية على الوحدة ودعواتها للانفصال ،  أما المسار الرسمي فقد تركز حول مؤسسة الجامعة العربية ومن ثم على مجالس إقليمية كمجلس التعاون الخليجي،ومجلس الاتحاد العربي بين مصر والعراق والأردن واليمن وكذلك الاتحاد المغربي بين أقطار المعرب ....وجميع هذه النماذج لم يكن للشعب العربي دور فيها.

لقد كانت من ابتكار القادة وبعضها احتضر وشيّع وانتهى أمره "الاتحاد العربي"  والمغربي في طريقه للحاق به،أما مجلس التعاون الخليجي فهو في أحسن الأحوال يعيش في غرف العناية الفائقة تقدم المنعشات له دوماً  ،  والجامعة العربية وللحكم عليها موضوعياً من خلال إنجازاتها يضطرنا للعودة إلى الأيام الأولى لتاريخ ميلادها حيث عقدت اجتماعات ممثلين لخمسة أقطار هي مصر، العراق , سوريا،الأردن،لبنان،واليمن بصفة مراقب في الفترة من25أيلول سبتمبر-إلى7تشرين أكتوبر1944، رجحت خلالها كفة الدعاة إلى وحدة الدول العربية المستقلة،وعبر المسيرة العمرية للجامعة التي قاربت من الستة عقود نجد أن سمات مميزة رافقت أيامها ووصمتها بها:

 

1- الجامعة العربية مكونة منذ نشأتها من الأنظمة العربية ولذلك فهي محل طعن في شرعيتها شأن الأنظمة المبدعة لها لأن مفهوم الشرعية قد حدد في إدارة شؤون المجتمع في تحقيق أهدافه وفي تجسيد قيمه ومثله العليا،والمتفحص للماضي يرى أن الإنجازات كانت في  الحد الأدنى وفق فلسفة الجامعة إن لم تكن معدومة ومجرد سراب في صحراء شاسعة وعدت بها الجماهير،حتى أن حزب البعث العربي وقبل تواجده في السلطة نبّه إلى هذه المعضلة فرأى في مبدأ التعاون الذي حققه ميثاق الجامعة هو تعاون قاصر قد تحقق مثله بين دول غربية متباينة في اللغة والعنصر والثقافة،ودعا الحزب إلى إنشاء جامعة عربية شعبية تكون سنداً ونصيراً للجامعة الرسمية حينما تسلك هذه طريق الصواب ومعارضاً ومقوماً لها حين يعوزها الإرشاد والتقويم،و بعض الطبقات الحاكمة ومنذ البدء كانت تبحث عن مرتكزاتها القطرية ومصالحها الشخصية معتمدة مبدأ الاستبداد والاعتماد على الغرب لحمايتها من الجماهير العربية،ومع ظهور وتنامي السلطة الفردية المتمحورة في كل النواحي التشريعية والتنفيذية بشخص واحد ولتعزيز ذلك عمدت هذه القيادات إلى أن تحيط نفسها بمجموعة من المحاسيب تفصل بينها وبين الجماهير فتم انتشار الفساد والإفساد عبر هذه المجموعات،وإقامة أجهزة القمع والأمن المتعددة،والدعم  الخارجي لإحلال الديكتاتوريات في الوطن العربي وتعزيز قدراتها القمعية كان ومع مرور الزمن يزداد بعد أن تبين أن مصالح الشعب العربي مغايرة تماماً لمصالح  الدول الغربية الاستعمارية ومناقضة لها  ،  وكشاهد على هذا النهج والسلوك ففي أيلول-سبتمبر1881عندما أصبح شريف باشا رئيساً لوزراء مصر نتيجة للثورة العرابية تقدم في عام1882بمشروع الدستور إلى مجلس النواب المنتخب لكن إنكلترا وفرنسا أرسلتا مذكرة إلى الخديوي لتأكيد دعمهما له،وللتعبير عن معارضتهما للحكم الدستوري وإنكلترا قدمت أربعة إنذارات للحكومة الدستورية الجديدة في مصر ضد محاولات تشريعية للبرلمان المصري لسنّه قوانين تعطي حرية نسبية أكبر للشعب،واليوم ُتدعم الأنظمة التي تحارب الممثلين المنتخبين في فلسطين وتفرض قيود وقيود،وُيمنع المواطنون الملتزمون بفكر سياسي معين في مصر من الوصول إلى مراكز الاقتراع بل يعتقل أكثرهم و تمويها يسمح لنسبة ضئيلة منهم  للترشيح ،  وبقية الأقطار العربية ليست بحال أفضل .

2- انتقال الجامعة من الظاهرة العملية ولو على ضعفها إلى الظاهرة اللفظية فشعارات وعناوين العمل العربي المشترك تصاغ وفق مضامين رائعة النص وتحمل كل التطلعات لكنها تبقى حبراً على ورق ، وإجماع لدى كل المتتبعين لعمل الجامعة على الاقراربحقيقة أن القرارات التي صدرت لو طبقت لكان الوضع العربي في حال أحسن،والصياغات في المؤتمرات والاجتماعات الأخيرة على تعدد تنوعها حملت عبارات الشجب والإدانة والاستنكار،بل أضيف إلى تلك الكلمات تعابير لفظية تتدرج بشدة الإدانة والاستنكار،وعند اشتداد المصائب على بلد عربي تتعالى نداءات مناشدة المجتمع الدولي لوضع حد للمآسي والجميع غير معنيين بالمساهمة في رفع الضيم والعمل على تخفيفه.

3- الاختراق الأجنبي وتجلى ذلك في سعي بريطانيا وفرنسا و "إسرائيل " إلى تفتيت الجهد العربي،وما زال الخط مستمراً وفي المراحل الممتدة منذ العقود الأخيرة من القرن الماضي بدأ الاختراق الأمريكي يحل محل فرنسا وبريطانيا لتأمين المصالح الأمريكية و "الإسرائيلية " ،  وقد وضح ذلك بعد ازدياد أهمية النفط عالمياً مما حدا بمسؤول أمريكي ليقول:"إن العرب لا يملكون النفط بل يقعدون فوقه"وبذلك غرقت الدول النفطية في علاقاتها وارتباطاتها مع أمريكا....والمغرب العربي وقد أغرم بدعوة مؤتمرات القمة وازداد هيامه بها لم يكن الدافع لكل ذلك.الحرص على الجامعة بما قد تعنيه للأمة العربية لكنه كان ينفذ الإملاءات المطلوبة منه بوضع أجهزة التنصت على كل ما يدور في هذه الاجتماعات لجهات خارجية (كشف عن هذه الجريمة السيد محمد حسنين هيكل)كما وأن القائد التونسي قرر لوحده إرجاء مؤتمر قمة كان من المقرر عقده في تونس في عام2004بين28-29آذار/مارس/.....وجميعنا نذكر كيف كان حاكم عربي يرقص بسيفه مع الرئيس بوش معلناً أن تحالفاً استراتيجياً قائماً بين الدولتين،والاستنتاج المنطقي لهذا الإقرار أن تحالفاً استراتيجياً ربط بين الحليفين القديمين " إسرائيل "-أمريكا،ومؤخراً هذا البلد العربي.

4- السمة المميزة لأغلب اجتماعات الجامعة أن وفودها لا تحمل معها أفكار أو مشاريع قرارات،وعن ذلك عبّر المرحوم صلاح البيطار وزير خارجية سوريا وفي ستينات القرن الماضي يروى عنه لدى علمه بأن هناك وفداً سورياً سيتوجه لحضور أحد الاجتماعات في الجامعة العربية بقوله:"لقد لاحظت عدم اكتراث الحكومات العربية  بالجامعة فاستدعيت أعضاء الوفد وسألتهم:هذا موضوع سياسي فما هي سياستنا؟!...فكان الجواب:إن الوزير يقول لنا اذهبوا واحضروا الاجتماع ،وبعد دراسة تبين لي أن الجامعة المختصة لا تقرأ بالمعنى الحرفي،والحكومات لا تقدم مشروعات مدروسة ولاتدرس المشروعات التي تقدمها الأمانة العامة دراسة جدية من أجل التنفيذ".

5- صراع الإرادات كان على أشده وما زال بين تيارين يدعو الأول لتفهم التحولات السياسية الدولية والاستفادة منها لمصلحة القضايا العربية ومن أبرز ممثليه مصر،وتيار ثانٍ يعتبر تلك التحولات خطراً على الأمة العربية ويدعو إلى تكتيل الجهود لمواجهتها وكان من أبرز ممثليه العراق قبل الاحتلال الأمريكي،ورئيس وزراء مصر وكان يرأس أحد المؤتمرات قال:"بالرغم من أن الجامعة(صدى مدبر)كان ميثاقها هو خطوة الحذر ومن الخير لنا أن نبدأ السير بإتئاد"والمندوب السعودي يقول:"إن الميثاق بسيط في بنائه"وممثل لبنان يقول:"إننا نعلم حق العلم أن هذه الجامعة ليست غاية ما يسعى إليها العرب ولكنها خطوة مباركة".

6- وللموضوعية والحق يقال أن جملة عوامل خارجية عن الإرادة العربية بمجموعها زادت من هوة التباعد بين الأنظمة منها هزيمة عام1967ودخول القوات الإسرائيلية إلى لبنان وحصارها للعاصمة بيروت عام1982وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد ومن بعدها اتفاقية أوسلو،ومن ثم حرب الخليج بين العراق والكويت،وبعدهما حرب الخليج الأخيرة والاحتلال.

 

          المرجع الرئيسي:كتاب جامعة الدول العربية من سلسلة المعرفة للدكتور مجدي حماد.

 

     ولمزيد من تأكيد هذه البنود ففي العودة إلى تاريخ هذه المنظمة منذ بداية عمرها ونشأتها يقدم لنا حقائق الماضي والتباين الكبير بين أماني الشعب العربي وما حققته هذه المؤسسة المكونة من الأنظمة الشمولية،ففي تاريخ29مايس1941ألقى أنتوني إيدن خطاباً ذكر فيه"أن العالم العربي قد خطا خطوات عظيمة منذ التسوية التي تمت عقب الحرب العالمية الماضية ويرجو كثير من مفكري العرب للشعوب العربية درجة من درجات الوحدة أكثر مما تتمتع به الآن وإن العرب يتطلعون لنيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف ولا ينبغي أن نغفل الرد على هذا الطلب من جانب أصدقائنا،ويبدو أنه من الطبيعي ومن الحق وجوب تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين البلاد العربية وكذلك الروابط السياسية أيضاً،وحكومة جلالته سوف تبذل تأييدها التام لأي خطة تلقى موافقة عامة"وفي24-فبراير-شباط1943صرح إيدن في مجلس العموم البريطاني بأن الحكومة البريطانية تنظر وبعين العطف إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية"وبعد عام من الخطاب الأخير دعا رئيس وزراء مصر كلا ًمن رئيس الوزراء السوري ورئيس الكتلة اللبنانية للتباحث معهما في القاهرة حول إقامة جامعة عربية،وقد توسعت المشاورات لتشمل الأردن والسعودية والعراق واليمن أسفرت عن تبلور اتجاهين رئيسيين بخصوص موضوع الوحدة الاتجاه الأول يدعو إلى ما يمكن وصفه بالوحدة الإقليمية الفرعية أو الجهوية وقوامها سوريا الكبرى والهلال الخصيب،والاتجاه الثاني يدعو إلى نوع أعم وأشمل من الوحدة يظلل عموم الدول العربية المستقلة  ,   وإن تضمن هذا الاتجاه بدوره رأيين فرعيين أحدهما يدعو لوحدة فيدرالية أو كونفيدرالية بين الدول المعنية والآخر يطالب بصيغة وسط تحقق التعاون والتنسيق في سائر المجالات وتحافظ في الوقت ذاته على استقلال الدول وسيادتها،وفي اجتماع عقد لمندوبي دول سوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر واليمن بصفة مراقب بين الفترة من25أيلول إلى7أكتوبر عام1944توصل المؤتمرون إلى إقرار"بروتوكول الإسكندرية"أول وثيقة رسمية.

                                                          المرجع:موسوعة ويكا بيديا

 

والدول التي اعتمدت البروتوكول كانت جميعها تحت الاحتلال المباشر الإنكليزي أو الفرنسي،ولقد جاء في البروتوكول:

إثباتاً للصلات الوثيقة والروابط العديدة التي تربط البلاد العربية جمعاء وحرصاً على توطيد هذه الروابط وتدعيمها وتوجيهها إلى ما فيه خير البلاد العربية قاطبة وصلاح أحوالها وتأمين مستقبلها وتحقيق أمانيها وآمالها،واستجابة للرأي العربي العام في جميع الأقطار العربية أقيمت الجامعة العربية ومن مهامها مراعاة تنفيذ ما تبرمه هذه الدول فيما بينها من الاتفاقات وعقد اجتماعات دورية لتوثيق الصلات بينها وتنسيق خططها السياسية وصيانة لاستقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل الممكنة وللنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها،وقرارات المجلس ملزمة لمن يقبلها فيما عدا الأحوال التي يقع فيها خلاف بين دولتين ولا يجوز اتباع سياسة خارجية تضر بسياسة الجامعة العربية أو أية دولة منها.

 

     من هنا يتبدى لكل دارس أن فكرة الوحدة غابت كلياً واستعيض عنها بتوثيق الصلات وتنسيق خططها السياسية وهي مفاهيم عائمة،والأخطر عند تعرض قطر عربي لاعتداء خارجي فالرد"بالوسائل الممكنة"وجميع القرارات غير ملزمة لمن لا يقرها.

ومن هذه البداية كانت هشاشة التطلعات الرسمية  والتي اعتبروا زوراً أنها استجابة للرأي العام العربي،ومع كل ذلك فلم يطل الزمن حتى ازداد عدد المشتركين وأصدروا ميثاق الجامعة العربية وأضيفت إليه معاهدة الدفاع المشترك  والتعاون الاقتصادي في حزيران – يونيه -1950وميثاق العمل الاقتصادي القومي في تشرين الثاني-نوفمبر-1980،واللافت للنظر هنا أن المؤتمرين أسقطوا النص الوارد في بروتوكول الإسكندرية والذي ينص على أنه لا يجوز لأية دولة عضو إتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية وذلك بناء على طلب لبنان وبقي للأعضاء حق عدم الالتزام إلا بالقرارات التي وافقوا عليها وأدخل بند جديد بناء على اقتراح سعودي ينص على مبدأ السيادة واحترام النظم القائمة في دول الجامعة واعتباره حقاً من حقوق تلك الدول،والتعهد بعد القيام بأي عمل عربي يرمي إلى تغيير أنظمة الحكم في البلاد الأخرى وبذلك تكون النظرة القطرية سادت على النظرة القومية،ومن أجل"تسريع المهام"وفق رأي المؤتمرين شكلت مجالس اختصاصية عدة كان منها مجلس الدفاع المشترك،ونصّ إنشاء هذا المجلس جاء في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة في عام1950ومن أهم بنودها:

تتشاور الدول المتعاقدة فيما بينها بناء على طلب إحداها كلما هددت سلامة أراضي أية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها،وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى خطرها تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف،وتنفيذاً لهذه الالتزامات على أكمل وجه تتعاون الدول المتعاقدة فيما بينها لدعم مقوماتها العسكرية وتعزيزها،وتشترك بحسب مواردها وحاجاتها في تهيئة وسائلها الدفاعية الخاصة والجماعية لمقاومة أي اعتداء مسلح.

وهنا تعلو نبرة الكلمات وتشير إلى مواقف دفاعية واحدة،كما أن فيها إشارة ضمنية لصناعة سلاح عربي تعزيزاً للقدرات والإمكانات القتالية،وألفت المعاهدة لجنة عسكرية دائمة من ممثلي هيئة أركان حرب جيوش الدول المتعاقدة، إضافة لمجلس الدفاع المشترك الذي يضم وزراء الخارجية والدفاع الوطني وما يقرره المجلس بأكثرية ثلثي الدول يكون ملزماً لجميع الدول المتعاقدة وبذا رفع من حدود الإلزام للجميع،كما ألزم الدول المتعاقدة في مادته العاشرة بتعهد كل الدول المتعاقدة بأن لاتعقد أي اتفاق دولي يناقض هذه المعاهدة وبأن لا تسلك في علاقاتها الدولية مع الدول الأخرى مسلكاً يتنافى مع أغراض هذه المعاهدة،وهنا يتبادر إلى الذهن اتفاقية كامب ديفيد في خروجها عن النص،بل باعتبار بنودها لها أفضلية على جميع الاتفاقات التي أبرمتها مصر قبلها ومثلها اتفاقية وادي عربة وأيضاً اتفاقية أوسلو وجميعها دقت المسمار الأخير في نفس هذه الاتفاقية ودفتها وإن كان الموت البطيء لازم وجود هذا المجلس وحتى فكرة الصناعات العسكرية لم تلق أي قبول لدى الأنظمة الشمولية والتي اعتادت شراء عتادها بمليارات الدولارات وتحديداً من أمريكا وبذلك تدّعّم وجود احتكارات السلاح،كما وأن مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد عمد إلى تأسيس مفهوم خاص للدفاع مستقل وخاص به وأمنه  ,  واستقراره مسؤولية شعوبه ودوله مع رفض التدخل الأجنبي بجميع أشكاله وبناء القوة الذاتية والتنسيق العسكري فيما بين الدول الأعضاء بما يحقق اعتماد دول الخليج على نفسها،وبعد عقد اجتماع للقمة الخليجية عقب حرب الخليج  عام1991طويّ من بيانه الختامي مبدأ الاعتماد على الذات ورفض التدخل الأجنبي،وصاغ فكرة مطاطة تحمل أكثر من تفسير إذ أكد تصميمه على مواصلة التعاون في المجال العسكري والأمني والارتقاء بالقدرات الدفاعية في إطار تصور استراتيجي موحد، وإثر انتهاء الحرب كان المجلس قد اتجه إلى إعادة بناء أمنه الإقليمي ضمن ما يمكن أن نسميه"الإطار القومي الواقعي للأمن العربي"متجاوزاً مبدأ الاكتفاء بالاعتماد على الذات،وقد تمت صياغة هذا المفهوم الأخير في إعلان دمشق بتاريخ6/3/1991الذي  أقرته  دول مجلس التعاون الست مع مصر وسوريا لكن هذه الصياغة سرعان ما طويت في اجتماع الكويت بتاريخ19/7/1991حيث أصبح النص"وتعتبر أن ما قامت به القوات المصرية والسورية أثناء أزمة الخليج يمثل تطبيقاً لاتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة"  وهكذا لم يعش مفهوم الأمن القومي سوى أشهر قليلة.

كل ذلك لا يجعلنا ننسى مشاركة الأقطار العربية في حرب1948في فلسطين رغم ما شابها من مؤامرات وخيانات مع"إسرائيل"وكذلك قوات الردع العربية في لبنان ومشاركة العديد من الأقطار بجيوش لها على الجبهتين السورية والمصرية إبان حرب1973،ولقد كان للعديد منها آثار رائعة في قتال الصهاينة  ,   والمغرب وقد شاركت"تجريدة"من قواته على الجبهة السورية بكفاءة عالية وقدمت الشهداء   وعند عودتها إلى أرض الوطن سرّح كل من كانوا فيها،ولأهمية وحدة الدفاع المشترك وقوته في وجه المعادين للأمة كانت معاول الهدم والتهديم تتهاوى عليه حتى بات بلا وجود ولا حياة ومراسم دفنه الرسمية تمت إثر اتفاقية كامب ديفيد.

لقد صيغت كل التحركات بشكل يناقض الأماني فبدلا ًمن صناعة السلاح دمرت إمكانات العراق العسكرية بالحربين الأمريكيتين وبالحصار على هذا القطر العربي، وتأكيداً على عدم الحماس لفكرة الدفاع المشترك فبعد14عاماً من إصدار الميثاق وتحديداً في عام1964عقدت أول قمة عربية في القاهرة لمنع إسرائيل من تحويل مجرى نهر الأردن تبين فيه أنه لا توجد أية اتصالات عسكرية عربية ،بل الشكوك المتبادلة في هذا المجال هي الأصل.

 

 

 أما مجلس الوحدة الاقتصادية فالحديث عنه ذو شجون ونتائجه لا تتعدى الصفر وكل ما قام به من تحركات ومؤتمرات وقرارات كانت لا تخرج عن إطار معسول الكلام ولعل أفضل تعبير عن ذلك المثل أما العربي القائل"اقرأ تفرح....جرّب تحزن".

     لقد أشار الميثاق وبروتوكول الإسكندرية على أهمية الجانب الاقتصادي،بل والتكامل ومن ثم الوحدة الاقتصادية , دعمت المواد فيهما بميثاق العمل الاقتصادي القومي الذي جاء في بنوده: "انطلاقاً من الإيمان بالانتماء القومي للأمة العربية وتراثها الحضاري المشترك وحتمية تضامنها في وجه التحديات دفاعاً عن وجودها وتعبيراً عن المسؤولية الكاملة باعتبار أن العمل الاقتصادي يشكل الأرض الصلبة للأمن القومي كان لابد من ضرورة تهيئة الاقتصاد العربي بحيث يكون مهيئاً للمعركة المصيرية ضد التخلف والتبعية وأن يُعبّأ في مواجهة العدوان الصهيوني والقوى المساندة له".

ومن مبادىء حشد الطاقات والجهود والموارد تحييد العمل الاقتصادي العربي المشترك عن الخلافات العربية وإبعاده عن الهزات،وتلتزم الدول العربية بأولوية علاقاتها ومعاملاتها الاقتصادية بالنسبة لعلاقاتها مع العالم الخارجي،وتتكفل جميعها بمبدأ التعامل التفضيلي الكامل للسلع والخدمات وعناصر الإنتاج العربية ذات الهوية العربية المؤكدة  "  ملكية وإنتاجاً وإدارة وعملا   ً"  مع منح أفضلية للمشروعات العربية المشتركة إضافة لحرية تنقل الأيدي العامة وضمان حقوقها ومعاملة رأس المال والعمل العربي بما لا يقل عن معاملة مثيليهما من اصل وطني في كل قطر عربي وتقليص الفجوة التنموية بين الأقطار العربية مع التزام باستراتيجية العمل العربي الاقتصادي المشترك وتكامل الدول العربية كل بحسب طاقتها في تمويل الحاجات العربية المشتركة ويشمل ذلك بشكل خاص احتياجات الأمن القومي مع التدرج في استخدام الدينار العربي المباشر بين الدول العربية مع تعزيز التعاون مع الدول النامية ودعم دول المواجهة ومنظمة التحرير الفلسطينية ودعم صمود الشعب العربي في الأراضي المحتلة.

أقرّ ذلك في عمان في تشرين الثاني-نوفمبر-1980وكانت قرارات عدة اتخذت سابقاً ففي عام1957أقرت اتفاقية الوحدة الاقتصادية،وفي عام1964تقرر إنشاء السوق العربية المشتركة،وهذه الاتفاقيات سبقت اتفاقيات النواة للاتحاد الأوروبي بـ7سنوات فاتفاقية الدفاع العربي المشترك الموقعة عام1950تضمنت بنداً حول التعاون الاقتصادي.

لقد تمسك الأعضاء بشدة بالقطرية وفي اتخاذ القرارات بشكل لا يؤثر على التشريعات والبرامج المحلية،وخلال سبع دورات من الدورة19إلى الدورة25وعلى امتداد خمس سنوات إلى سبتمبر – تشرين - عام1978أي مباشرة بعد حرب تشرين التحريرية وكانت المرحلة خطرة جداً في تلك الفترة تجسدت آراء وأفكار:

 

1-     الحكومات العربية يشكل عام لا تبدي حماساً حقيقياً تجاه قضايا ومشروعات العمل العربي المشترك.

2-     الأقطار العربية فقيرة أو غنية تفضل بالدرجة الأولى المعونة المباشرة أو برامج عمل ثنائية أو تديرها إدارات ذاتية.

3-     التمسك بمبدأ سيادة الدولة وعدم المس به.

4-     الخلافات السياسية هي الأصل المعيق لكل حركة.

 

وفي واقعة تشير إلى مدى ضآلة وضحالة العقيدة القومية لدى الكثيرين من المؤتمرين التابعين لأنظمة بلادهم ونقلا ًعن محاضر اجتماعات فمذكرة الأمانة العامة نوهت إلى ضرورة أن يقترن العمل بتبسيط معاملات السفر بين الأقطار العربية والإقامة فيها والاستجابة لطلب المستمرين الخاصة بالإدخال والإقامة وإجازات العمل الفردي والمهارات والكفاءات لاستخدامهم في مشاريعهم قال رئيس أحد الوفود:"إنه يجب أن يضاف إلى هذا النص عبارة على أن يكون ذلك طبقاً لأنظمة كل دولة"وثنى على كلامه رئيس وفد آخر وحين علق رئيس وفد ثالث على أن الهدف بأننا نريد تعديل النظم المعمول بها في الدول العربية لتحقيق الأهداف التي نسعى اليها ردّ عليه قائلا ً:"نحن لنا ظروف خاصة...."  ولليوم لم يرّ الإنسان العربي بارقة أمل في هذه القرارات فبدلا ًمن حرية الحركة والانتقال تتزايد  القيود وتعقيدات التنقل   ,  والسوق الحرة المشتركة مضى على قرار إنشائها ما يزيد عن أربعة عقود ولم تر أرضها النور،وحدث ولا حرج عن التكامل الاقتصادي لتعزيز القدرات الذاتية والوحدة الاقتصادية.

ويكفينا زاد الكلام المعسول والظاهرة اللفظية فما زلنا ورغم الإمكانات المادية التي تدفقت على الوطن العربي بفعل زيادة أسعار النفط نستورد رغيف الخبز من الخارج،بل إن شعب مصر وأزمة الخبز تدق أيامه دفع ثمن مشاحناتها إصابات وقتلى، وارتفاع أسعار السلع برمتها في ازدياد وخاصة السلع الغذائية حتى باتت نسب الفقر والعوز تزداد في الإحصاءات،وبشرى لنا جميعاً فحصادنا اليوم في جميع المجالات حصاد هشيم وفي رعاية الجامعة العربية معقد الرجاء والأمل ويا لبؤس هذا المعقد فهي الوليد الشرعي لأنظمة اعتادت،بل وأدمنت على تلقي الأوامر متقنة تنفيذها كل الإتقان.

لقد بات الوطن العربي معرض جثث في الشوارع تقتل، وبيوت ومعابد تدمر، والأحزان....أحزان الجائعين البائسين تلف أيامهم وساعاتهم في غزة لأن العرب لهم الباع الأكبر في حصارهم نيابة عن     "إسرائيل "، والفقر راح ينتشر بسرعة يلحق به الفساد في كل أجهزة الدولة، والخراب الأخلاقي بل الدمار تمتد شرايينه في المجتمع العربي....وأمام كل هذه المناظر المأساوية منعت الآهات والأنّات   وصرخات الألم  ، بل منعت الدموع من أن تنسكب من العيون المظلومة لأنها تعبر عن واقع مرير مرفوض بكليته والعبرات  اعتبرت موقفا معارضا و باتت تقود إلى المعتقلات والسجون  وفي حباتها يكمن الرفض ومنطلق الحراك لغد جديد.

    

     وبعد هل مازال لهذه الأنظمة صلاحية شرعية؟!......

لقد خالفت كل الأصول وقيم الشرعية حتى باتت تهرول إلى دعم أجنبي معاد   بدلا ًمن دعم جماهيرها،ومؤتمر القمة الأخيرة بيّن بجلاء ووضوح مدى تأثر بعضها بالإملاءات الأمريكية،ومنتهى الضياع تعليق آمال جديدة عليها فالبعض منها  معوق عمره رافق عمر الجامعة المعوقة،بل فاقها عمراً وتقدم عليها.

إنه عمر  الأنظمة الرابضة على قلب الأمة العربية بأساليب وأشكال شتى !......

لكن الأمل كل الأمل معقود في حرية المجتمع المدني وقواه المنظمة التي يجب انتزاعها وبكل الطرق والوسائل لأنها الضوء الوحيد لغدنا في العودة إلى الفكر القومي وإلى الوحدة العربية حفاظاً على وجودنا وتراثنا ومعتقداتنا وديننا في مواجهة موجات عارمة تريد أن تنهي كل هذه المقومات الإنسانية لأمتنا الخالدة وتباشير الخير هلت في أغلب الشوارع العربية .

 

محمد علي الحلبي

موضوعات سابقة