غطاء غرفة تفتيش

فايز حلاق
في شارع فرعي من ضواحي المدينة، عربة تسير ببطء، كانت تلك العربة دراجة نارية بثلاث عجلات، وصندوق مكشوف، وقد توضع في ذلك الصندوق العديد من قطع البلاستيك التالفة إلى جانب قطع معدنية، متعددة الأشكال، ينادي سائق العربة بواسطة مكبّر للصوت شبه تالف مكسّر يلي عندو صوبيا عتيقة للبيع) كان يجلس بجانب السائق طفل في العاشرة. تصل العربة إلى مفترق طريق رئيسي، فيرى السائق قطعة من الحديد كبيرة بشكل دائرة وقد ارتفعت قليلاً عن مكانها حيث كانت غطاءً (لحفرة تفتيش) وهو المكان الذي تلتقي في مجاري المياه المالحة. أغرت هذه القطعة السائق، فركن عربته جانباً وأخذ يعطي تعليماته لابنه الذي بقي في العربة، ثم أخذ يتلفت يميناً ويساراً لكي يتأكد أنه لا يراه أحد، ثم ركض وحمل الدائرة الحديدية وعاد بها إلى عربته، بعد ذلك قاد عربته وابتعد بها مسرعاً رغم أنه كان يعتقد بأن تلك العملية ليست من أعمال السرقة، وأخيراً توقف بجانب حاوية قمامة، السائق يرفع ابنه ثم ينزله بها ويذهب إلى حاوية أخرى بجانبها ليبحث هو الآخر على ما يريد من محتوياتها من بلاستيك وغيره.
كان الوقت نهاراً. يمر أحدهم فيرى تلك الفتحة بدون غطاء، يأتي بصفيحة زيت فارغة ويضعها بجانب الفتحة لكي تنبّه السيارات للفتحة، ثم يمضي في طريقه، تمر بعض السيارات بعد قليل، يمر عدد من أولاد المدارس فيبدؤون بركل الصفيحة بأقدامهم وهم يمارسون اللعب فتصبح الصفيحة بعيدة عن مكانها بعد أن تتهشّم.
عربة يجرها حصان، مخصصة لبيع المحروقات، يحمل صاحبها بوقاً صغيراً للإعلان عن بضاعته، وعيناه ترصد الزبائن. حصان العرب يتجاوز الحفرة بأمان لكن عجلة العربة تسقط في الحفرة ولا تخرج، بسبب تساوي العجلة مع الحفرة من حيث العرض. يتوقف السير، يطلق السائقون منبّهات سياراتهم، بعد ذلك يتعاون بائع المازوت مع شرطي المرور وبعض المارة لرفع العربة من الحفرة، يضع رجل المرور حجرين عند الحفرة كل حجر من طرف، من أجل انتباه السيارات. في المساء رجل عجوز ليس هو بالضرير ولا صاحب عينين ثاقبتين، يحمل عكازه ويسير جاهداً نحو المسجد القريب من هناك ليؤدي صلاة العشاء، يسقط بالحفرة.
في اليوم التالي، في مقر البلدية، موظف يتحدث مع رئيس البلدية بأنا لحاج محمود الذي كسرت قدمه بسبب سقوطه في حفرة التفتيش، ويشير له على مكان الحفرة ويتحدثان عن فقدان الغطاء الحديدي، يطلب رئيس البلدية غطاء بديل، يقول أمين المستودع أنه لا يجد بديل. يأمر رئيس البلدية بالإحضار من مستودع المحافظة، يقول أمين المستودع بأن الموضوع بحاجة إلى محضر جلسة لأعضاء المجلس البلدي، يكلّف رئيس البلدية من يعلن عن جلسة ويدعو الأعضاء لذلك ويحدد الموعد بعد شهر.
تجمّع للمارة والعديد من السيارات متوقفة مع إطلاق الزمامير عند الحفرة، ميكرو باص متوقف ومهشّم على أثر سقوط عجلة من عجلاته، سيارات الإسعاف تطلق أصواتها لكي تصل على المكان لإسعاف المصابين، أحد المارة يشرح لآخر سبب الحادث ونتائجه، تعليقات أخرى من بعض الواقفين على فقدان الغطاء وعجز البلدية عن تر كيب غيره وعقد اجتماع البلدية والموافقين والتواقيع والأغلبية وأخيراً الميزانية.
في مقر البلدية، المجلس ينتظر أمين الفرقة، أما مدير الناحية الذي يتحدث مع رئيس البلدية على الهاتف يطلب تأجيل الجلسة لمدة أسبوع لغاية انتهاء إجازته، يجيبه رئيس البلدية: حاضر سيدي إن الرفيق أمين الفرقة طلب ذلك أيضاً.
عند الحفرة تمر سيارة مرسيدس مسرعة جداً، يتفاجأ السائق بالحفرة ويحدث المحذور.
عند باب مستشفى خمس نجوم يدخل المصاب وهو ابن مسؤول. اهتمام كبير في المشفى، عدد كبير من الأطباء في مقر البلدية، يأتي المحافظ ويبدأ بإنشاء خطاب بالمجلس البلدي ويقول: بأنه سوف يقضي على جميع الحفر التي ليس لها غطاء لأن هذه الحفر هي التي تدمّر اقتصاد البلد وهي التي سببها المتخاذلون والرجعية والمتآمرون وجميع عناصر البرجوازية. يرن جرس الهاتف، المتحدث ابن المسؤول من المستشفى، تخف حدة خطاب المحافظ ثم يجيب على الهاتف: أمركم سيدي، حاضر حضرة الرفيق بالسجن، حاضر سيدي كلهم بالسجن، حاضر سيدي نحن تحت تعليماتكم. يضع السماعة ويخاطب رئيس البلدية: استدعي قائد شرطة السير واحضر غطاء لغرفة التفتيش بالسرعة الكلية وقل لشرطة المرور أن يضعوا حداً لهذه الحوادث بسرعة وإلا سوف أضعك أنت ومدير الناحية وأمين الفرقة وأعضاء المجلس كلكم بالسجن الانفرادي، يجيب رئيس البلدية: حاضر سيدي، يذهب المحافظ بعد بتهديداته ويبقى الحضور مع مدير الناحية الذي يتهيأ لكي يلقي خطاباً يعطي به نفس التعليمات غاضباً ثم يذهب من المكان، بعد ذلك يبدأ أمين الفرقة بإلقاء خطاب يقول: أيها الرفاق إن فقدان غطاء غرفة التفتيش هو من أهداف الإمبريالية الحاقدة والرجعية العميلة وعبارات أخرى من هذه النماذج، ثم يذهب ويبقى رئيس البلدية الذي يأخذ الميكرفون لكي يلقي ما يريد من كلمات فيقول: أيها الرفاق أعضاء المجلس، يدخل موظف من البلدية فاتحاً الباب الذي كان مقفلاً بعد ذهاب الأخير، ينهره رئيس البلدية قائلاً: كيف تدخل إلى الاجتماع السري يا عديم المسؤولية ألا تعرف النظام، وهل أحضرت غطاء غرفة التفتيش؟ يجيب الموظف: لا سيدي بمستودع المحافظة ما في أغطية، ولكن يقاطعه رئيس البلدية ويقول: عندك عقوبة، أصلاً كل التقارير التي وصلت بحقك تقول أنك مهمل ورجعي وبرجوازي ومنحرف وعدو الشعب وعميل للاستعمار، يقول الموظف: حاضر سيدي. يدخل ضابط شرطة وهو مسؤول شرطة المرور، يسلّم على الحضور ويقول: أنا شخصياً حلّيت هذه المشكلة في مكان آخر، يسأله رئيس البلدية: كيف حلّيتها، يقول الضابط: بسيطة كتير نضع مطب (محدب صناعي) قبل الحفرة واحد وبعد الحفرة واحد، وهيك السيارات بيمشوا على البطيء، يعود الموظف إلى القاعة بدون إذن، يثور رئيس البلدية ويشدد على العقوبة ويضيف: (وطرد من الخدمة كمان) روح ساوي مطبين مثل ما قال الرفيق، يقول الموظف: مصيبة جديدة سيدي، يقول رئيس البلدية: وما هي، يقول الموظف: سيدي الحفرة سقط فيها، يسأله رئيس البلدية: شو سقط فيها هذه المرة؟ يقول الموظف: سيدي جبل قاسيون، يندهش الحضور ويسألون ماذا يقول الموظف: الحفرة ابتلعت جبل قاسيون أيها الرفاق ونحن ما زلنا هنا نمارس النفاق.
                                                                                                                                                             

                                                                                                                                                           فايز حلاق