من حكايا ألفي ليلة وليلة

        قـــراءة الفاتحــــة على روح الفقيـــــد

فائز الحلاق

 

       لم يكن الشيخ متعب الذي كان أميراً لإمارة عربية صغيرة راضيا ً  عما يقال عن زعماء العرب و مشايخهم من قبل أفراد القبائل وأبناء المدن في كافة الوطن العربي، لكنه كان في الوقت نفسه يعذر المتكلمين بسبب ما رآه من تخاذل و خمول في مواقف الأمراء و الرؤساء و الملوك بعد أن تأكدوا من كيد من يدعي بأنه صديق , فهو مازال يظهر وده في زياراته وتصريحاته لهم . فهل يترك هذا المنصب الذي دفع من أجله الأموال الطائلة  للمفوض البريطاني  لكي يسانده في بقائه أميرا ً على هذه الرقعة من الأرض ؟ لكنه يعلم بأن الذي وقف معه يحاول أن يبتلع كافة الوطن أرضا ً و مواردا ً  محتلا ً أحيانا ً أو ناهبا ً للخيرات مرة أخرى , يسمي المسميات  بغير أسمائها فالجهاد هو إرهاب , و التحرير هو خروج عن القانون الدولي ,و الوطنية هي الأعتداء على المسالم الذي فُرِضَ بالأمر الواقع بعد أن  احتل الأرض التي ليست له , ثم أخذ يصور نفسه بأنه مسكين مظلوم.

   قّر ّر الشيخ متعب أن يخرج ليحاور  رعيته متنكرا ً، لعله يستطيع إقناع هذه العامة بأن الحاكم مظلوم و لا ذنب له فيما يُتهم  به . فارتدى الأطمار البالية وحمل بيده صحيفة ورقية , ثم وضع في جيب قميصه قلما ً رخيصا ،ً فبدا بذلك كـأنه معلم مدرسة أو خريج جامعة لم يجد عملا ً يسد رمقه , ثم إتجه إلى المقهى الوحيد في المدينة،حيث كان قد ألغى جميع المقاهي في إمارته لكي لا يشرب الزبون الآراء السياسية بل يكتفي بشرب الشيشة و الشاي و القهوة , كان ذلك المقهى المتروك  يسمى  مقهى (العرب) وقد كان هناك بالمقهى  جهاز مذياع واحد من الطراز القديم ،يفتح فقط عند سماع نشرة الأخبار .

     دخل الأمير الشيخ متعب إلى المقهى وجلس إلى  طاولة منفردة يجلس بالقرب منها إثنان من الزبائن صامتان محاولان  أن يفهما ماذا يقول المذياع الذي أخذ يلعلع بصوت مذيع  يتحدث عن عملية فدائية في أرض فلسطين ,قال واحد من الإثنين بعد أن إنتهى الخبر : أعان الله هذا الشعب المسكين . قال الشيخ متعب : قصدك شعب فلسطين . قال الآخر : وهل يوجد شعب مظلوم مثله ؟ قال الرجل الثاني لا تقل فلسطين وحدها بل الشعب العربي  كله . إزداد حماس الشيخ متعب فقال : وما علاقة بقية الشعب العربي ؟ قال الرجل :إن ما نراه الآن في فلسطين سوف نراه في كامل الوطن العربي  إذا بقي  الحكام العرب على هذه الحال . قال الشيخ متعب : إن الصهاينة يريدون فلسطين و لا يريدون غيرها. أراد الرجل الثاني أن يتعرف على الأمير فقال : ما تعرفنا بحضرة الأخ ؟ قال الشيخ متعب : أنا مطيع عبد الستار، أستاذ مدرسة من بلد عربي . قال الرجل :ألست أنت وأمثالك من يزرع هذه الأفكار برؤوسنا و رؤوس أبنائنا ؟ قال الشيخ متعب الذي أصبح  إسمه مطيع : وهل هذه الأفكار سيئة ؟ قال الرجلان معا ً بصوت واحد : على العكس . ثم تابع واحد منهما : إن المثقفين هم الذين يصنعون الحمية و الحماس للدفاع عن الوطن , و الحكام هم المفسدون بالأرض . قال الأستاذ مطيع : ألا ترى معي أن الحكم مثلهم مثل الشعوب مغلوبون على أمرهم , و لا يستطيعون فعل شيء ؟  قال أحد الرجلين : من لا يستطيع فعل شيء لماذا يبقى في منصبه ؟ أجاب الأستاذ مطيع : و أين يذهب ؟ قال الآخر عليه أن يترك  مكانه لمن يستطيع الفعل . قال الأستاذ مطيع : ويتنحى عنا الحكم ؟ قال الرجل : أفضل من أن يخون وطنه لكي يحافظ على منصبه . قال مطيع هو لا يخون , لكنه عاجر . قال الرجل الآخر : سأروي  لك هذه الحكاية التي حدثت في هذه الصحراء .

       يحكى أن الموفد البريطاني لورانس الذي أُرسل لكي يدرس الجزيرة العربية و أخلاق وعادات العرب , ثم يقوم بكتابة  تقارير تساعد على دخول المنطقة , قام بتجربة يريد من ورائها  أن يعلم مدى التكالب على السلطة لدى أمراء العرب , فدعا عدداً منهم إلى وليمة كان قد تم تحضير الطعام  بها على الطريقة العربية غير أن اللحم كان  مخبأ ً تحت الطعام  المؤلف من الأرز و السمن . قال بعض الأمراء : يا شيخ لورانس نحن لم نتعود أن  نأكل من الطعام  الذي لا يظهر اللحم  فوقه و الأهم أن يكون رأس الذبيحة في الأعلى . قال لورانس : وإذا قلت لكم بأن من يأكل  من هذا الطعام و لحمه وهو مخبأ تحت الأرز فسوف يأخذ مبلغ مئة ألف جنيه إسترليني، وكذلك سوف نضمن له منصبه لمدة عشر سنوات على الأقل . فما رأيكم ؟ قال كبيرهم : ولكن ألا تقول لنا ما هو اللحم المخبأ تحت الأرز ؟ قال لورنس : سأقول لكم بعد أن تأكلوا . نظر الأمراء إلى بعضهم وقد أغراهم ما عرضه عليهم لورانس من المبالغ وضمان مناصبهم وقال قد وتهم : ( إبدؤوا على بركة الله )فهو  أولا ً وآخرا ً لحم مطبوخ , وقال آخر بعد أن ألقى خطبة عصماء مشيدا ً بصداقة بريطانيا لكافة أمراء العرب وملوكهم : إن المبلغ الذي ذكرته سيساعد  كل واحد منا على تحسين قصره , فإذا كان قصر الحاكم على قدر من الرفاهية و الجمال , فإن الرعية سوف تكون كذلك على قدر كبير من الإحترام في عيون الدول الأخرى , وقال آخر في كلمة إشادة صغيرة مضيفا ً : إن هذا الضمان الذي تقدمونه لمناصبنا سيؤدي إلى استتباب الأمن في بلداننا و إماراتنا , وبذلك ستنعم شعوبنا بهدوء البال و الأمان . ثم بدأ الجميـع بالتهام الطعام مع اللحم وهم لا يدرون ما يأكلون . عند الإنتهاء قال المستر لورانس : أيها الأصدقاء , أيها الرفاق  , هل تدرون ما هو اللحم الذي أكلتموه ؟ قال البعض : ما هو ؟ قال لورانس إنه لحم أحد الأمراء العرب . صمت الجميع . ثم قال أحدهم وهو يبرر ما فعله : إن لم نأكل من لحمه فهل كان سيعود إلى الحياة ؟ ثم قال آخر : رحمة الله عليه لو كنا نعلم قبل أن نأكل من لحمه لما أكلنا . ثم قال واحد آخر : ليكن عزائنا بأن نتصدق على روحه من المبلغ الذي سوف نأخذه . ثم قال آخرهم  : إرفعوا أيديكم  جميعا ً لنقرأ الفاتحة على روحه لأننا لانملك أكثر من ذلك . وقف الأستاذ مطيع على قدميه و إتجه نحو باب المقهى , ثم أخذ يسأل نفسه : هل سأقوى على تقديم استقالتي من منصبي أم علي أن أقبل بالواقع المرير فأبقى لأنعم برفاهية الحكم ؟

 

 

                                                                       بقلم:فائز الحلاق