هكذا يتحدث القائد القومي المناضل جورج حبش
بمناسبة الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة
يا جماهير شعبنا الفلسطيني المكافح والمرابط
يا جماهير امتنا العربية الأبية.
تصادف في الخامس عشر من ايار ذكرى أليمة وقاسية على الشعب الفلسطيني وامتنا العربية، انها الذكرى الثامنة والخمسون لارتكاب اكبر جرائم القرن العشرين، جريمة اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من وطنه وإحلال غزاة مستعمرين مكانه بقوة القهر والارهاب وبتزوير فاضح لوقائع وحقائق التاريخ· رغم عنف التغيرات الاقليمية والدولية التي شهدها العصر فإن قضية شعبنا الفلسطيني مضت من تعقيد الى تعقيد اكبر، ولا سيما في ظل ما يمارس ضده هذه الايام من حصار وتجويع عقاباً له على خياره الديمقراطي في اختيار من يمثله ويقود سياسته الراهنة·
يا جماهيرنا الباسلة :
ان الكيان الصهيوني الذي نجح في البقاء والاستمرار طوال هذه الفترة، لم
يأت نجاحه من فراغ، بل جاء حصيلة الاعداد والتخطيط اللذين جعلا من
اسرائيل كياناً يشكل خطراً وتهديداً حقيقياً ليس على الشعب الفلسطيني
وحده بل على الامة العربية بأسرها، فالكيان الاسرائيلي في القرن الواحد
والعشرين حقق مزيداً من التطور في ترسانته التسليحية من اسلحة نووية
واسلحة دمار شامل، وان هذا التطور النوعي العسكري والتكنولوجي للكيان
الصهيوني جعل منه قوة اقليمية تتجاوز حماية مصالحها لحماية مصالح
المستعمرين الآخرين في المنطقة وبما يهدد الامن القومي العربي ويجعل
هذا الكيان لاعباً ذا اهمية استراتيجية لدى صناع القرارات الدولية·
ان ضعف الموقف العربي لعب دوراً اساسياً في تقدم ونجاح المشروع
الصهيوني·· وان السبب يكمن في غياب سياسة واستراتيجية عربية ذات رؤية
واضحة ومحددة للقدرات والامكانات العربية تُوظف لحل التناقض الرئيسي ما
بين الامة العربية والكيان الصهيوني وبما يجنب الامة العربية
الاستهدافات الخطيرة للمشروع الصهيوني الاستعماري·
يا جماهير شعبنا الصامد :
ان قضايا الشعوب الكبيرة والعادلة ورغم مضي سنوات كثيرة عليها لا تضيع
بالتقادم، ولن تكون نسياً منسياً بسبب تضافر قوى اقليمية ودولية على
طمسها، وقضية شعبنا الفلسطيني هي قضية القضايا، انها قضية العصر والتي
لن تغيبها المؤامرات الدولية والاقليمية، ورغم كل العراقيل والصعوبات
التي تواجهنا كشعب فلسطيني، ستبقى قضية شعبنا وعدالة مطالبه سيفاً
مسلطاً على الضمير العربي والاسلامي والدولي، فلن يضيع حق وراءه مطالب،
وستبقى الحقائق التالية تفرض نفسها امام صناع السياسة المحليين
والدوليين :
اولاً : ان الصراع الشامل والمفتوح والتاريخي مع الاحتلال الصهيوني
وكيانه البغيض لن يتوقف الا بتحقيق الحقوق التاريخية والعادلة للشعب
الفلسطيني، وان قضية فلسطين بكل تجلياتها وابعادها المحلية والاقليمية
والدولية ستبقى جوهر الصراع العربي الصهيوني حتى تُزال الاسباب
الحقيقية لهذا الصراع بضمان كامل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفي
المقدمة منه حق العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية
المستقلة وذات السيادة وعاصمتها القدس·
ثانياً : اعادة القضية الفلسطينية الى مكانها الطبيعي في الحالة
العربية يتطلب اعادة تكريس البعد القومي لقضيتنا وهو اصبح الآن ضرورة
ملحة لحماية الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني·· وبما يعيد
للقضية الفلسطينية مركزيتها في مواجهة الاستراتيجية الكونية للحركة
الصهيونية·· وان سياسة تقطيع اوصال الامة·· وعزل قضاياها عن بعضها
البعض، كانت هدفاً صهيونياً دائماً وصولاً الى الاستفراد بالشعوب
العربية وفرض الهيمنة عليها·· وقضية فلسطين هي الاساس والتي عملت
الصهيونية على فرض اتفاقيات (اوسلو) والتي لم تحقق الحد الادنى من
مصالح وحقوق شعب فلسطين·
ثالثاً : اهمية العمل الجاد والسريع لبناء اجماع وطني خاصة في ظل
الظروف الراهنة والتي تحيط بالشعب الفلسطيني عموماً والشعب الفلسطيني
في الداخل خصوصاً بعد مغادرة الاحتلال لقطاع غزة من جانب واحد··
وتداعيات·· وتجليات ما حدث بعد الانتخابات الفلسطينية الاخيرة، وبما
يوصل الى ائتلافات وطنية تجنب الشعب الفلسطيني الوصول الى الكارثة التي
يخطط لها اعداؤه المتعددون مع استمرار اعتبار حق العودة وتقرير المصير
واقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وازالة المستوطنات كاملة
موضوعات لا يمكن التنازل عنها او التساوم حولها·
رابعاً : الاستفادة مما تراكم في خبرات الحركة السياسية الفلسطينية من
تنامي دور هام ومتميز للفلسطينيين داخل 1948م، فتجربة العقود الثلاثة
الاخيرة في نضال الفلسطينيين من اجل حقوقهم بالدفاع عن ارضهم وابراز
هويتهم الوطنية بدأت في 1976 في يوم الدفاع عن الارض ولم تتوقف طوال
العقود التالية·· لذا فمن واجب الحركة الوطنية الفلسطينية الاتكاء
وتنمية هذا الدور، بما يخدم الاهداف الوطنية العليا للشعب الفلسطيني·
خامساً : استكمال الجهود التي بذلت في القاهرة لاستعادة وحدة منظمة
التحرير، واحياء مؤسساتها ومشاركة كافة القوى فيها بما فيها حماس
والجهاد الاسلامي والقيام ببنائها على اساس ديمقراطي بحيث يمكن ان تكون
المنظمة العنوان والكيان السياسي الموحد لكل شعبنا الفلسطيني في الداخل
والخارج، بما يمكن من رسم استراتيجية مقاومة شاملة وحقيقية متكاملة ضد
الاحتلال والذي يخطط الآن مجدداً لفرض الامر الواقع على شعبنا بالضفة
الغربية عبر سياسة الانسحاب من طرف واحد، ان بناء الوضع الداخلي
الفلسطيني على أسس ديمقراطية·· وبناء مؤسسات فعالة·· واحترام القانون
ومحاسبة الفاسدين هي المقدمة المناسبة التي ترسم الصورة الحية لآفاق
دولة فلسطينية مستقبلية ذات سيادة على كامل الارض الفلسطينية عام 1967·
سادساً : رغم ما تبدى من ضعف في الاداء·· وتهافت في السياسة لحركة
التحرر العربية بفعل عوامل مختلفة اقليمية او دولية·· وتغير في حراك
تناقضات العصر·· وسمته الرئيسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي
والمنظومة الاشتراكية، الا انه مازال هناك دور ينبغي ان تقوم به القوى
القومية والديمقراطية وحركات التغير الاجتماعي والديمقراطي والتقدمي في
العالم العربي يشكل رافداً وعوناً في مواجهة ما يخطط من استهدافات··
ومؤامرات تحاك ضد القضية الفلسطينية والامة العربية·
سابعاً : السعي الجاد لتوسيع الاطارات والهياكل والمؤسسات التي تعمل
لمواجهة السعي المحموم من قبل الولايات المتحدة لعولمة العالم امريكياً
بمنطق حكام امريكا (المحافظين الجدد) وذلك بدعم كل اتجاهات مناهضة
العولمة حماية للشعوب ومصالحها واستقلالها الوطني، وما يتحقق في امريكا
الجنوبية الآن يعتبر تقدماً هاماً يمكن للشعوب البناء عليه في مواجهة
مخططات العولمة المختلفة·
ثامناً : ان الاخلالات الحالية بموازين القوى الاقليمية والدولية تتيح
للكيان الصهيوني فرصة الحراك لصوغ اتفاقيات والحصول على تنازلات تتجاوز
حق العودة، من هنا فإن الدفاع عن هذا الحق ومواجهة كافة محاولات
استهدافه بالتعويض او التوطين او التهجير او اية خيارات اخرى تتطلب من
شعبنا وكافة قواه الوطنية والحية توطيد الطاقات والجهود ليبقى حق
العودة حقاً غير قابل للنقض او التجاوز·
تاسعاً : ورغم القطبية وحيدة الجانب التي تمارسها الولايات المتحدة على
العالم وتطابق وانسجام السياسة الامريكية والاسرائيلية فيما يخص قضيتنا
وتجليات ذلك سلباً عليها على الصعيد الدولي الا ان مطالبة الامم
المتحدة والهيئات الدولية واللجان والمؤسسات الحقوقية والانسانية
للوقوف امام مسؤولياتها الانسانية والاخلاقية واجب ينبغي عدم التلكؤ عن
القيام به خاصة وان قرار (194) بالعودة، مازال قراراً دولياً يحظى
بالدعم والتأييد والمساندة الدولية ودورات الجمعية العمومية للامم
المتحدة والتي تكرس هذا القرار سنوياً دليل ذلك·
يا جماهير شعبنا الباسل، وامتنا العربية المكافحة
لن يتوقف كفاح شعبنا لنيل حريته فرغم مضي مائة وتسعة اعوام على انطلاقة
الحركة الصهيونية وانقضاء ثمانية وخمسين عاماً على قيام الكيان
الصهيوني البغيض على ارضنا فلسطين وبعد تقديم أعز وأغلى التضحيات،
فإننا نؤكد ارادة واصرار شعبنا على مواصلة درب الكفاح والنضال حتى
تحقيق اهدافه بالاستقلال والحرية والسيادة على ارضه ووطنه·· فالشعب
الفلسطيني شعب باسل وعصي على كل محاولات التطويع وكسر ارادته الوطنية··
ان إيقاظ شعلة الحرية في ضمير كل مواطن فلسطيني وكل انسان عربي مُهمة
كل وطني غيور في شعبنا وامتنا وصولاً لحشد كل امكانيات وطاقات هذه
الامة في معركة التحرير والحرية·
في الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة أعاهدكم·· عهد المناضلين الشرفاء من
شعبنا وامتنا على مواصلة النضال حتى يحقق شعبنا حقوقه المشروعة
والتاريخية وفاءً لدماء الشهداء وآلام الاسرى والمعتقلين·· وحتى نرى
قدسنا عاصمة أبدية لدولتنا المستقلة فلسطين·
تحية الى كل ابناء فلسطين·· تحية لكل المقاومين العرب المناضلين من اجل
عزة هذه الامة·· تحية من الاعماق لأسرانا البواسل داخل معتقلات
الاحتلال الصهيوني وفي المقدمة منهم الرفاق احمد سعدات وعبد الرحيم
ملوح وكافة الاسرى والمعتقلين والمعتقلات الفلسطينيين والعرب·
وفي الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة·· نؤكد ان القسم هو قسم فلسطين حرة
ومستقلة وعاصمتها القدس·· والعهد هو عهد الحقوق العادلة والتاريخية
للشعب الفلسطيني في ارضه ووطنه·
المجد للشهداء·· والحرية للاسرى·· والنصر للشعب الفلسطيني والامة
العربية·
د· جورج حبش
القائد المؤسس لحركة القوميين العرب
والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
15/5/2006
حركة القوميين العرب / مكتب الارتباط