وحدتنا بعد خمسين عاماً.. هوامش على تحديات قرن جديد  

 

 د.رفعت سيد أحمد

 

يقف المراقب بعد خمسين عاماً من الوحدة المصرية ـ السورية والتي نحتفل بها هذه الأيام أمام أسئلة كبرى نحسب أن العقل العربي مطالب بالإجابة عليها، ليس بهدف الوقوف فقط على أطلال الماضي الجميل، للبكاء أو حتى للاعتبار والعظة، ولكن بالأساس للبناء والتأسيس لمستقبل أكثر إنسانية، وعدالة، ووحدة.ثمة تساؤلات تاريخية تحتاج إلى تأمل وإجابة من قبيل: لماذا كانت الوحدة؟ هل كانت تعبيراً عن حاجة حقيقية للدولتين وقتذاك أم كانت تعبيراً عن نزوع عربي لدى قادة قوميين شباب تحركهم العاطفة الوحدوية فحسب قبل الدراسة الواعية للواقع الإقليمي المعقد؟ وهل كان هذا الواقع راغباً في الوحدة أم راغباً عنها؟ هل كان هذا الواقع واقعاً في أتجاه إسقاطها مع أول أزمة دولية بين المعسكرين؟ أم أنه كان واقعاً مستفيداً منها موظف لها؟ ثم لماذا كان عمر هذه الوحدة قصيراً بمعايير التجارب التاريخية السابقة لها أو اللاحقة عليها هل هي الأسباب والدوافع الداخلية أم الإقليمية والدولية؟ وأين تقع لإسرائيل في سلم هذه الدوافع؟ وهل كانت أمريكا حاضرة بالفعل أم عبر وكلائها المحليين من ملوك الخليج وجنرالاتهم ونفطهم؟ وبعد هذا العمر من الذكرى (خمسين عاماً): هل لا تزال التجربة تحمل جاذبية واقعية أم هي الأشواق والعاطفة ليس إلا؟...هل تجاوزتها الأحداث والحقائق وصعود القوى الجديدة المعادية لها وتمزق الوطن واحتلاله ـ أم لا؟!

وأخيراً: ما هي التحديات التي قد تواجه التجربة إن شاء محبيها أن يعيدونها للحياة حتى بدائرتها الأصغر: الوحدة بين سوريا ومصر، وليس بين العرب أجمعين؟

 

*إنها بعض التساؤلات، من وحي الذكرى الخمسين، تحتاج بلا شك إلى نقاش مبدع جديد، سوف نحاول هنا أن نتوقف، فقط أمام تساؤل واحد منها؛ التساؤل الأخير والمتصل مباشرة بطبيعة تحديات قرن جديد أمام الوحدة سواء بإطارها المحدود (بين سوريا ومصر) أو إطارها الأشمل بين الأقطار العربية التي مزقها الاستعمار الأجنبي وأكمل عليها الاستبداد الوطني!!

*أن التحديات ولا شك ستكون مختلفة، كما ونوعاً عن تلك التي سبقت وواكبت التجربة الأولى (1961) فلا وجود لعالم ثنائي القطبية، بل نحن (اليوم 2008) في عالم متعدد الأقطاب، مع شراسة لقطب واحد يحاول أن يهيمن منفرداً بالقوة على العالم؛ ونحن إزاء (عالم عربي)، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ولسنا إزاء (وطن عربي) واحد تجمعه قضية واحدة كما كان أثناء عصر الوحدة الأولى؛ والتحديات التي ستواكب "الحلم" في تحقيق الوحدة العربية، ستكون ولا شك أكثر تعقيداً وتداخلاً من تلك التي واكبتها سابقاً، والواقع الراهن بكل مآسيه وإشكالاته الكبرى شاهد على ذلك.

*على أية حال دعونا نبلور أبرز ما نتوقعه من تحديات رئيسية أمام الوحدة خلال المستقبل القريب، والذي بدوره يؤسس لمستقبل أبعد منه:

*أول التحديات في تقديرنا: هو هذا الكيان الصهيوني المزروع في قلب الوطن العربي، في فلسطين، فلا وحدة عربية قادرة على الصمود وهذا الكيان قائم، إذ أنه عامل هدم لها، عبر عدوانيته ومؤامراته، وعلاقاته التي أضحت الآن علنية مع نصف دول الوطن العربي [12 دولة عربية تقيم علاقات اقتصادية وسياسية مع الكيان الصهيوني منذ توقيع اتفاق كامب ديفيد عام 1979] وإذا ما ربطنا أكثر علاقة هذا التحدي (الكيان الصهيوني) بالولايات المتحدة الأمريكية، وتحالفهما الاستراتيجي ضد هذه الأمة، لأتضح أكثر، خطورة التحدي وصعوبته.لكن بالمقابل، يمثل هذا التحدي، عامل تحفيز لحتمية الوحدة، ومواجهتها، حيث لا يمكن مواجهة التحدي الصهيوني دونما توحيد إرادة المواجهة، وقدرات المنطقة وشعوبها، ودونما إسقاط شعبي جاد لاتفاقات التسوية التي كبلت المنطقة فأصبحت غير قادرة على أي فعل نهوضي حقيقي، وفي مقدمته فعل الوحدة لأنه لا يستقيم عقلاً أو سياسة ومصلحة أن يتحد من يطبع مع العدو مع من ظل صامداً أو مقاوماً له؛ إن التحدي الصهيوني إذن بقدر ما هو أداة تهديد للوحدة،أضحى اليوم يعد أداة تحفيز لبنائها إن أدرك الحالمين أو العاملين لهذه الوحدة: خطورته ومنزلة فلسطين ومقدساتها في مشروعهم.

*أما التحدي الثاني المهم فهو: أن الوحدة المنشودة في قابل أيامنا تأتي والعالم المعاصر يعيش ظاهرة ما يسمى بالعولمة بكل ما بها من ايجابيات قليلة في مجالات الثقافة وانتشار المعرفة وسلبيات أكثر متمثلة في اختراق الخصوصيات الوطنية وتهديد الأمن القومي والسياسي والاقتصادي والحضاري لبلادنا، إن (الوحدة) العربية المنشودة، عليها أن تواجه تلك العاصفة العالمية العاتية التي مرت ببلادنا منذ سنوات، وتنوي البقاء بها في المستقبل القريب، عاصفة العولمة وعليها أن تبدع، في وسائل التعامل معها، فتأخذ منها ما يفيد وما يعضد ويقوي تلك الوحدة: مفهوماً ووسائل واستراتيجيات للعمل، وأن ترفض ما دون ذلك، من عوامل للهدم والاختراق والإلحاق الحضاري..فهل الحالمون والعاملون لهذه الوحدة، قادرون على ذلك؛ هذا هو التحدي الثاني.

*أما التحدي الثالث: فهو أن الوحدة العربية المنشودة، تواجه على الأرض تحدي لم يسبق لها أن واجهته في عصرنا الحديث إلا مرة واحدة وهو الاحتلال الأمريكي المباشر لبلد عربي، هو (هنا العراق)، صحيح هناك الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين بكل تعقيداته إلا أن ما جرى ـ وما يزال يجري ـ للعراق، أخطر مما جرى في فلسطين ويمثل ثاني أهم تحدي أمام الحالمين أو العاملين لهذه الوحدة.حيث واحدة من أقدم وأعرق بلادنا يتم تفتيتها، وتقسيمها إلى ثلاث دويلاتِ، مع احتلال عسكري (200 ألف جندي أمريكي) سيتحول في المستقبل القريب إلى احتلال دائم عبر قواعد عسكرية خارج المدن (14 قاعدة)، هذا الاحتلال خطورته ليست في هذه الجوانب فحسب، بل في هذا القبول الرسمي العربي له بل وتغطيته عبر الاتفاقات بين أنظمة ما يسمى بالاعتدال العربي، وبين الولايات المتحدة هذا القبول بالاحتلال، وشرعنته هو أحدث وأغرب ، ومن ثم أصعب التحديات التي ستواجه الوحدة والحالمين بها في المستقبل القريب.

*أما التحدي الرابع والأخير: الذي يواجه الوحدة العربية في قابل أيامها فهو وقوع غالب بلادنا العربية تحت قبضة الاستبداد السياسي الطاغي، والمصادر لروح المجتمع ولضميره الواعي للوحدة هذا (الاستبداد) الحاكم يرفض بطبيعته ومصلحته الوحدة العربية، لأنها إن تحققت، ستؤدي مباشرة لإنهاء الاستبداد وسيادة ثقافة وقيم الديمقراطية والحرية، لأن المستقر تاريخياً، أن المستبد لا يؤمن بالوحدة أو بالمقاومة، والعبيد (الذين يحكمهم المستبد) لا يرغبون فيها ويريدون فقط أن يبقوا أحياء، أما أن يقاوموا الأجنبي أو يتحدوا مع إخوتهم فهذا من باب الترف الذي لا يعرفونه ولا يقدرون عليه.إنه التحدي الشرس إذن أمام دعاة الوحدة العربية في المستقبل القريب، فمواجهة الحكام الطغاة سابق على تحقيق حلمهم أو هو شرط ضروري لتحقيق هذا الحلم، وهو تحدي كما نرى صعب في واقعنا العربي الرديء.

*إن هذه التحديات (وغيرها مما لا يتسع المقام لذكرها) تمثل في تقديرنا ما يمكن أن نسميه بنظرية الأواني المستطرقة في فلسفة الوحدة، إذ لا يمكننا أن نحقق الوحدة العربية (سواء في إطارها الثنائي أو حتى الإقليمي المحدود أو الجماعي) دونما مواجهة جادة للتحدي الصهيوني الذي يمثل تقسيم الأمة العربية أحد ركائز وظيفته ورسالته في المنطقة، وهذه المواجهة للتحدي الصهيوني، تحتاج إلى مواجهة تفاعلية أكبر مع تحديين خطيرين يقفان على أبواب الأمة بل وبداخل بيتها: تحدي العولمة وتحدي الاحتلال الأمريكي والمشرعن بأنظمة عربية، أغلبها ـ كما نعلم ـ أنظمة استبدادية، وهذا هو التحدي الرابع؛ والذي بإزالته أو مواجهته أو على الأقل تحييد دوره وأثره المدمر لروح الأمة تتحقق الوحدة ويترجم حلمها إلى واقع.

*أنها نظرية الأواني المستطرقة [الوحدة ـ التحدي الصهيوني ـ تحدي العولمة ـ الاحتلال الأمريكي ـ الاستبداد الحاكم]، ربما بمدى إدراك، وفهم الحالمين، بالوحدة وبمقدار إخلاصهم في العمل لها يمكن ساعتها الحديث عن أن التاريخ بإمكانه أن يعيد نفسه، وأن نعش مرة أخرى ذلك الحلم الجميل الذي أنجزه عبد الناصر وصحبه قبل خمسين عاماً حين ربط أرض الكنانة ببلاد الشام في أنبل وأهم وحدة عربية في عصرنا الحديث وحملت ذات يوم هذا الاسم الجميل: الجمهورية العربية المتحدة..وما ذلك على الله بعزيز!!

والله أعلم......